الفائز الثاني
الشاعر منير وسلاتي - تونس
أمثولة البحّار..مأثرة الغياب
هذا النص الشعري مستوحى من حادثة السفينة التي غرقت بسبب عاصفة في بحر المهدية بالجمهورية التونسية خلال شهر ديسمبر 12 /2016 والذي أسفر عن فقدان كل البحارة ونجاة بحار واحد بأعجوبة والذي صرح بأنه كان يفضل الموت مع رفاقه على الحياة في غيابهم القاسي حيث تكون لحظة المواجهة مع الموت لحظة وجودية تكسر حاجز الخوف الغريزي في الوعي البشري .يتأمل النص مسألة الموت والحياة ودراما الارادة البشرية بين الضعف والتمرد والجنون أمام قوى الطبيعة ومعركة الوجود ويستفيد النص من جماليات اسطورية ويؤالف بين ابعاد فلسفية ورؤيوية واقتباسا من علم النفس التحليلي وتوظيفا للمنزع الصوفي وشذرات من التراث الفكري الانساني شرقا وغربا مستفيدا من شساعة التعبيرة الشعرية الحديثة وقدرتها الاستيعابية وموظفا عددا من الاجناس الادبية كالامثولة والملحمة وفن القص والتجريب المسرحي المشهدي والحوار والسرد....هذا العمل في بعده الشكلي شغلٌ لغوي يستبطن طاقة اللغة العربية ويتوكّأ على رحابتها في اقتراح ابداعي يحاول ايجاد روابط جمالية بين النثر وأمدائه التخيلية الرحبة وبين الايقاعات التفعيلية دون تقيد مطلق بنمط معين وهو محاولىة استثنائية لنص جديد مبنى ومعنى...والله وليّ التوفيق
...خبرٌ على عَجَلٍ أتَى:
" اسْتَذْأَبَتْ ريحٌ بلـيْلٍ…فُلْكُنا هَـلَـكَتْ بِبَحْرٍ فاجعٍ..
جُثَـثٌ مَضَتْ للغَيْهَبِ المَلْعُونِ دُونَ بَصِيصٍ عَوْدٍ مُحْـتَمَلْ..
صَوْتُ الفَظَاعَةِ صَاعِقٌ..سَـوْطُ الفَدَاحَة لاَذِعُ..
بَحَّارُنا وَجَعُ الغياب اللاَّفِحُ..."
أرْهَفْتُ سَمْعِيَ قَالَ لِي مِنْ خَلْفِ سِـتْــرٍ مُرْهَفِ:
"ذَاكَ الَّذِي تَتَقوَّلُ في زَحْمَة الغَيْبِ الغَبِيِّ..
أَكَـانَ بـِحقٍّ الحَيَاةِ غِيَابــًا..؟!"
وأنا البَحَّارُ الَّذِي مَا كَـسَّرَ المَوْجُ الغَشُومُ جَسَارَتِي..
رُحْمَاكَ لا تَرْمِي وَرَاءَ سَديم موتِيَ صَوْلتِي..
قلتُ: الغيابُ تَـفَـتَّتَتْ لَهُ أكْبَادُ ذَوِيِكَ في مَـهْوَى الوَجَعِ..
بِأُذَيْـنِ نَبْضِـي اللَّاهِبِ هَمَسَ البَحّارُ:
- أرْجُوكَ لاَ تُطْفِئ بحُزْنِـكَ مَـأْتَـمِـي..!!!
هِيَّ الحَيَاةُ إذَا خَبَتْ فِي جُثَّتي..فَاجْعَلْ سَنَاهَا في مَآثِرِي..
كُنّا نُرَاوِغُ حُلْكَة اللَيْلِ الظّليـمْ..
كُـنَّا هُنَاكَ مَعَ الرِّفاقِ نُمرّغُ في وَجْهِنَا وَجْهَ الدُّجَى ..
اللًّيْلُ مُمْتَقِعُ المَـلامح مزْبـِدٌ ..
يَسْتَنْقِعُ بِـنَقِيعِ أسحاَرٍ تُـغَـمِّدُ في الـمِلْحِ سِيـــَاطًا تَـتَـنَـمَّـرُ..
الليلُ يَنْشُرُ ألْوَاحَ جـُنونِهِ ويَدُقُّ في الأوْصَالِ إسْفِيِنَ الغَضَبْ..
عَصَبُ الحَيَاةِ على لِوَاءِ مَـتَـاهة الفَـزَعِ يَشُدُّهُ ..
كـمْ أهرَقَ اللَّيْلُ الظَّليمُ كُـؤُوسَ مَوجِدَةٍ عَلَى أرْوَاحِنَا الـحَيْرَى؟
والنُّومُ مِنْحَتُهُ الضَّنِينَةُ هَلْ تَوَزَّعَهَا الوَرَى انصافَا؟
أطْفَالُهُمْ يَتَسَامَقُونَ عَلَى رُؤُوسِ صُـخُور مِيِنَاءٍ حَزِيِــزْ..
يَتَشَوَّفُونَ لبَحْرِهِـم ِ بِقُلُوبِ طَيْـرٍ وَاجِفٍ..
أرْوَاحُـهُمْ تَـتَـقَافَـزُ فَزَعًا عَلَى دُسُرِ احْتـِـمَـالْ..
اللَّيْلُ ليْسَ بَريئًا لضَبِابِهِ أنْيَابُ ذِئْبٍ مَاكِـرٍ يَتَضَوّرُ..
بِـمَخَالِبِ الأَرَقِ الـمُخَادِعِ يَخْمِشُ وَجْــهَ الصَّبُورِ وَيَخْدِشُ..
اللَّيلُ أنْيَابُ الغَسَقِ حَوَاصِدُ وَرْدَاتِ قَلْبٍ يَـرْجُفُ..
لَيْلُ المرافِـئِ كَالِحُ القَسَمَاتِ..مُوحِشَةٌ سمُومُهُ تَنـْزِفُ..
وزَوَارِقُ البَحَّارَةِ تَتَلَعْثـَمُ،تَرْطُنُ لَغَوَ بَـحْرٍ يَلْـطِمُ..
وَفَلائِكُ فِـي فَوْهَةِ الـمَـاءِ اللَّعُوُبِ تَـهَشَّمُ..
وِجْباتُ إعْصَارٍ مَنْهُومٍ..
فُلْكُنَا مُدَّتْ عَلَى خُوُنِ العَوَاصِفِ تُـنْـهَشُ..
الدَّمْعَةُ تَـرْغُـوُ وتُزْبِدُ في جُفُونِ نِسَاء بحَــَّـارٍ شَرِيدْ..
- قال: اتْـرُكِ الزَّوْجَاتِ والأطْفَال خَارجَ بِـرْوَازِ رُسُومِكْ..
لا تَغْمِسِ الفُرْشَاةَ في مِلحٍ ومَاءْ..كَيْ تَـرْسُمَ جُرْحاً لنا..
كي لا تُعكِّـرَ لَوْنَــنَا -إنْ حَاوَلَتْ يُمنَاكَ- لنْ تَعْثُـرَ عَلَى وَجْـهِنَا..!
إن شِئتَ أَغْمِضْ عَينيكَ..وَدَعْ عَلى مَوجِ الرَّحِيلِ قُليْـبَكَ مُشْـرَعًـا..
***
الـمَوْجَةُ َقِطَطٌ شُرْسٌ حَوْلَنَا تَـتَـقَحَّمُ..
وتَنِطُّ فَوْقَ الرُّؤُوسِ إلى ذُرَى خَوْفٍ بِنَا يَتَـرَبَّصُ..
تَـتَـكَوّمُ..تَتَكَـوَّرُ..وتَـمُورُ صَاخِبَةً،صَاهِلةً مِثـــْلَ حِصَانٍ يَـتَوثّبُ..
اسْتَدْلَقَهَا البَحْرُ طَوْدًا، نَاطَحَتْ قُبَبَ السَّمَاءِ وَأَدْبَـرتْ..
خَـرّتْ عَلَينَا سَوْطَ عَـذَابٍ مُوحِشٍ..
فتـَجَلّدْنَا في هَزيعِ بَسَالَةٍ لا تَنْطَفِـِي...
حَدَّثْتُ نَفْسِيَ أنَّ الضَّرْبَ الَّذِيِ لايَـقْصِمُ
ظَهْرَ السَّفينَةِ يُـحْيِـيـنِي..... فابْتَسَمْتُ..!!!
قهقهتُ في وجه الدُّوارِ لأنَّـِنـي مُتَيَقّنٌ أنَّ البَحْرَ أَبِـي..
قدْ يخنقُ أنْفَاسَنَا كي يأخُذَ أنْـفَاسَهُ مِنَّا ويُرْسِلُنَا..
هُوَّ الأبُ يَتَنَفّسُ..مِنْ عَزْمِنَا..من صَبْرِنَا يَتَنَسَّمُ..
هُوَ بَحْرُنا لايفقَهُ للقَـتْلِ مَعْنًى يُـــفْــــــقَـهُ..
هُوَ مَنْ يَغْرَقُ فِينَا..حِينَ فِيهِ نَغْرَقُ...
قَهْقَهْتُ...وحَوَّلْتُ كَارثَتيِ مَائِدَةً للضَّحِكِ..
لا للفِرَار بَسَطْتُ خُونَ وَلَائِـمِـي..
لكن بيني وبينَ البَحْرِ شأنٌ نقضيهِ..وَسِرُّ وصْلٍ نَـكْـتُمُهْ..
قَدْ يَـخْلَـعُ بِـرُغَـائِهِ قَـلْبًا وَجَفَ وحُشاشَةً تَـتَـمَلْمَلُ..
لكنّهُ حِيِنَ العطاءُ مَصَارِيِـعُهُ تَـتَـفَـتَّحُ..
جُودًا يجُوُدُ...وَبَـعْدَهُ لَا يُمْسِكُ...
ونُسَارِرُ عَـتْـمَاتِهِ فَـيُكلِّـلُ باللُّطفِ خَاطِرَنَا بما نَـرْتَضِي..
إنْ كَانَ حينًـا يَمْلأُ سَحْنَاتِهِ غَضَبًا وحُنقًا يُرْعِدُ..
فَهْوَ الّذي بعَطَائِهِ يَتَـبَــرّجُ أنَّــــى اتّقَيْنَا حُـنْقَـهُ..
***
من جُودِهِ أُطْعِمْنَا،وَقِــرَاهُ صَبْـرُ رِقَابٍ، وَرِقابُـنَـا فِي قَبْضَتِهْ..
كم يُـبْـهِجُ البَحْرَ الأَبِيْ تَـهْـريجُنَاَ في حُضْنِهِ كَـيْ يَنْبَسِطَ قَلِيلاً..
وَبِــنَــا نُــرْضِـيـِهِ..ونُسَلِّيه حِينًـا حينَ يَقْرِصُ أذْنَـنَا..
هُوَ سَيّدٌ يَقْضِي بحقّـه منَّا وَطَرًا لكَيْ يَتَسَلَّى..
لِـمَ نجعَلُ للمَوْتِ وِرْدَ مَخَافَـةٍ تَتَعَاظَمُ..؟
يا من تَكْتُبُ جُرْحَ غِيَابِي..ولستُ بكَاتِـمِهْ..
أوْقـِدْ نَارَ قِرَانـــَـا بموانِـئنا الثَّكَلَى..
وامْدُدْ على بُسُطِ الذِّكْـرِ وَلَائِـمَ ضَـحْكَتِي..
لا للرُكُـــودِ المَاحِقِ في قَعْرِ مَوتٍ عابـِرٍ...
كم مؤلِمٌ أنْ تَبْخَسَ جَأْشًا هُـمَـامًا ذَاكِـرَةُ فَـــزَعْ..
كم مؤلمٌ أنْ تَمحُوَ شَفَقَ الغُرُوب مِنَ النِّـهَـاياتِ الشَاهِقَةِ..
***
يا طفليَ الـمَوْجُوُعَ لاَ تُهِنِ البَحْرَ وَلاَ تَقُلْ مَا لَا يَلِيِقُ
وَتَدَّعِي..البَحّارَ حِــبَّــــــكَ..وَحليفَك!!
لـمَ تَخمِشُ بصُرَاخِكَ المحْمُوُمِ وَجْهَ المَوجَةِ الرّقطاِء..
لمَ تُتْلفُ بِنَحيبِكَ الـمَـهزُوُزِ سَـمْتَ شَجَاعَتِي؟
أوَليسَ للبَحْرِ السَّخِيْ أنْ يغْـرَقَ فِـيِــنَا قَلِيلًا؟
للبَحر أن يَـقْتَاتَ من أجْسَادِنَا الغَرْقَــى نَصِيِبَا..
أوَليسَ للبَحْرِ الحفيِّ بِنَا أنْ يَتَذَوَّقَ دَمَنَا عَلَى وَجْهِ العِنَاقِ..؟
أنْ يَلْتَهِمَ شِراعَنا والصَّاريَـةَ وَيُـمَصْمِصَ ألْوَاحَ مَرْكَبِنَا التَّـائِهَةِ اشْتِيَاقَا
لا بأسَ بـِأجْسَادِنَـا لُقُــمَاتِ ذكْـرَى الأَبْـحُـرِ..
إيّاكَ أنْ تتبرّمَ سُـخْطًا على أقدارناَ.. وتُـجَدِّفْ..
لا تَلْعَنِ البَحْرَ الغَضُوبَ وَجُوعَهُ..لا تَذكُـر اللُجَّ بِسُوءْ..
فالبَحْرُ فينَا لعْنَةُ السَّغَبِ الِّذي يَتَجَدَّدُ..
***
للبَحّارِ هَمَسْتُ : شَبَقُ البَحْرِ وشَبَقُكَ واحِدٌ...فابتسمَ..
قلتُ: أعرفُ أنَّكَ لو تَطُلْ تُـمْـسِكْ بالبَحْر كلّهِ صَيْدًا في شَبَكَة..
قَـهــقَهَ..أسدَلَ جَفْنَيْهِ كَـيْ لَا تَرى في عَيْنيهِ وهْنَ الشَبَكَة..
ووَجِيِبَ النِّـهَـايَاتِ الخَائِبَةِ الـمُنْـهَكَةِ..
قال: أبْلِغْ زَوْجَتي أنَّي لم أرْحَلْ، ولكنْ لي وللْبَحْرِ شَأنٌ نُسوّيِهِ مَعًا..
فَلَا تَـحْزَنِي..تماسكي..ولا تجعلي الَدمْعَة شَوْكَةً في ظهري..
يا صائدَ العِبَارَةِ من خَوَابِـي الأضْلعِ..
اكْتبني..لا تطفئ أشْـمُعِي..ولا تَظْلمْ هُطُولِـي..
اكتبْ شَجَاعَتِي لهيبًا مُضِيئًـا في رأسِ الـمَوجَة ووهِـيِـــج الزَّبَـــدِ..
لن تجتَثَّ من العاصفةِ أُرْجُــوفتها...
لن تَنَهشَ عِرْضَ البَحْرِ في دَمِي..
...كنتُ أُنْصِتُ إليهِ يَرْتُق البحرَ بالسّماء..
يَصُبُّ صُهارَةَ زُرقَـتِهِ في زُرْقَتِــهَــا..
ويرُشُّ الأُرْجُوانَ على خَطِّ الأُفُقِ..
يَتـمطّى سَهْمُه إلى أقْصَى نِياطِ القَلبِ..
قبلَ أن يُسَدّدَه رَشْقَةً مُثلى في صَدْرِ الـمَعْنى..
***
...أُرسِلُ مُخيَّلتي في سَـمِّ الخِيَاط..كَــمَـا يفعلُ بحّارٌ قديمٌ..
كَـيْ يَكُونَ جُرحُ الـمَـوْتِ الحُرَاقُ مُجَرَّدَ خَدْشٍ خَفِيفٍ في جِلْدِ العِبَارَة..
أُلَـمْلِـمُ الأزْرَقَ على الأزْرَقِ في امْتِدَادِ الضِفَّتَيِن..
كيْ لايَتَصَدَّعَ جُنُونُ قَوَاربَ نَاغَـاهَا الأملُ فتَنَاسَلَتْ للحُلْمِ..
حتَّى أثْـخَنَـهَا اللَّيْلُ بِشَوَاقِيِفِ(2) عَتْمَتِه..
فَهِمْتُ أنَّ الأَرْضَ في ذَاكِرَة البَحَّار مَرْكُـونَةٌ في مِثْلَجَةٍ..
بينَ الأزْرَقَينِ الجُرْحُ شَفَقٌ نــَازِفٌ يَتَدَلَّى...
لم يَكُنِ الجُرْحُ مُهِمًّا في إحْصَاءِ الأسْمَاءِ والأشْيَاءِ..
لم يَكُنْ جُرْحُ البَحَّار مُهِمًّا في نَشْرَات الأخْبَارِ...
لم يَكُنْ جُرْحُهُ نَقْشًا طُقُوسِيّا..في نَشَـرَاتْ أحْوَالِ الطَّقْسِ..
لم يَكُنْ بحرُه إلاّ عُقَدًا سَخِيفَةً،تافهةً في سُلَّـمِ أحْقَادِ الرِّيَاحِ..
***
أسَافِـرُ الآن فَـجْـرًا أبْيَضَ في غَسَقِ الفِكْرَة- الوَرْدَةِ...
دَسَسْتُ في غِيابي بضعةً من غِيَابِهِ كُـبَّةً منَ الخُطَى..
خَيْطًا دِمَقْسِيًّا وَإبْـرَةً لا تَـنِـي...وَشَكْلًا مُخْتَلِفًا للحُضُوُرِ...
سَأَلَني البَحَّارُ : لِـمَ تَقْسُو كلَّمـَا غِبْتُ قَلِيلًا
أو مُتُّ مَوْتَتِي الصُّغْرى مُضْطَرّا في مِحْجَرَيْكَ..؟
لم يَكُن غِيَابي عَنْكَ..مَحْضَ غِيَابٍ..
بَلْ رَحِيلاً مُخْتَلفًا فِيكَ..كُلّما اخْتَلفْتُ إلَيْكَ..
عَليكَ أن لا تنِزفَ تجاعيدَكَ في وَضَـحِ الجبيِن جَـهَارًا..
فتـَلُوكُـكَ أفْـمَـامُ الأيّامِ..ويَلُوكُـكَ الجُبَنَاءِ هُــــزُؤًا..
عَلَيْكَ أنْ لا تَتَرَهَّلَ في سُكُوتِكَ الـمُـــرِّ..
وأنْ لَا تَتْرُكَ الأَحْزانَ تنُــزُّ من مَسَامِكَ..
لا تحْنِي جَبْهَتَكَ في سَفْحِ مَغِـيِـبِي..
لـمْ يَكُنِ الغِيَابُ غِيَابــًا عَنْكَ..فأنَا هُنا من أجْـلِكَ..
وأنا هُناكَ..من أجْلِـكَ..
المسافةُ بِدَاخِلي لَيْسَتْ الاَّ شَكْـلاً جَدِيِدًا للعَوْدَةِ ..
الغَيْبُوبةُ لَيْسَتْ إلا وُقُوفًا سـَخَـيّا بينَ يَدَيْكَ..
فأنَـا هُنا أرَاكَ وأسْمعُكَ.. أتَنَفَسُّ صَدَاكَ..
أصُبُّ خُطَايَ في خُطاكَ..حينَ تَطْلبُني الدُّرُوبُ..
وتَرْحَلُ أنتَ في وُقُوفي مثلَ شُعَاعٍ يَـنْـسِلُ من عَتَمةٍ..
قد تكونُ عتمةً في عَيْنِ منْ لَـمْ يَـرَوْا..
فَلَا تَغْضَبْ..إنْ تَأخّرَتْ أوْبَــِتي إليكَ...
تَـيَقَّنْ أنِّـي في الطَّريقِ إليْكَ..
أدّخرُ لك مجيئي..رَكْضًا بأجْنِحَتِي..
وكُنتُ أخطو إليك مشيًا..مشيًا من غير أقدَامٍ..
أُطعمُ الخُطى عزمي ومضائي وإقدامي..
وأركضُ..إليكَ أركضُ بأجنحتي..
أجنحتي أشواقٌ للأعَالي..
صرَخاتٌ في وجه الأسَافلِ ..
أشواقي ما أخلَدتْ للْحُزْنِ..
ولا أثْقَلَها حَنينٌ الى اليَابسَة...
أمْنحُكَ في سَـمْـتِ الانتظار سَلَامًا وَرْدِيا بلونِ الـمـَـاء..
رُبـَّمَا أخفيتُكَ في مُـخـيَّلة الحقلِ رَدْحًا من ولهٍ مكتومٍ
ربَّــمـَا أرْسَلتُكَ في شغف الجداول..كي لا تموتَ دَفْقةً وَاحِدَةً
فاصْبرْ..وتَـحَسَّبْ...وأبْشِر بغَيْبُوبتنا الـمُـزهرة على شَفاهٍ عَطْشَى...
وانْتَظرْ انْـحِسَارَ الـمَرَارة في حَرْفٍ مِـهْـذَارٍ..
والتِئَـامَ جُرحِ الأغْصَانِ في دِفْءِ الأنْهارِ..
هل قُلتُ الأغْصَان والأنْـهَارَ؟ عُذْرًا عُذْرًا للهَذَيَانِ..
فَلِكِلَيْـنَا ا كَسْرٌ يُغنِّيهِ..وَقْدْ مَلَّ كِلَانا رَتْقَ الأوْجَاعِ
لكَ في البَحْرِ آيَــاتٌ أورَقَتْ من رُعَافِ الصَّبر
تُطَاولُ صَوْلتُكَ صَوْلَةَ الـمَوْجِ..وما مَسَّكَ لُغُوبٌ..
ولي فلولُ ذاكرةِ الشَّجَر الـمُغتالِ ولي لَيلُ الغَابَاتِ ...
هلْ قُلْتُ لَيْـــل الغابات ؟عُذْرًا عُذْرًا للهذيان..
لا أقصدُ اخْتِلاقَ شَبهٍ فينا بينَ الفُصُولِ..
ولا أقصدُ مُرَاكَـمَة الانْهِزَام على الانْهِزَامِ..
عليّ أن أريحـكَ من وجهي حينَ أذكُرُكَ سَيِّدًا للبِحَارِ..
انسَ الآنَ أمْرَ الشَّجَرِ وشُرُوخَ الأغصان والأنْهَارِ..
صَوتي أعلَى في الغِيَابِ..حينً أقرِؤُه سَلامَ البَحّار..
صوتي اكبرُ من جُثثٍ للموتِ هامدةً على شواطئ الصَّخب..
صَوتي أعْتـَـى من دمعةٍ..أنْــقَى من حُرقَةِ فِرَاقٍ..
صَوتي أوْفَــى كـيْلاً خارجَ أسْوَارِ الفَجِيعَة..
فاحتفِلْ بغيابي الجريحَ...أيُّها الجريحُ..
واسْفَحْ وريدكَ في حِياضِ اللُّغة - الوَرْدَة..
ولا تَعْتَذِرْ عن اخْضِلَالـِكَ لحَناجِر الزَّمنِ الذَّبيحِ..
فصوتي المكتنزُ بِـي أعلى..صوتي أنقى..صوتي أوفَـى..
وامْـــضِ وُقُوفًا للنَّهر الـمُنْسَابِ عندَ سِدْرةِ الغياب...



ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق