الاثنين، 14 مايو 2018

الفائز الثالث عبد الله بدري الكربلائي – العراق لقاءٌ على هامشِ العُمر (قصة قصيرة)



الفائز الثالث

عبد الله بدري الكربلائي – العراق




لقاءٌ على هامشِ العُمر 
(قصة قصيرة)

................................

كانت مضطربةٌ تتدلى غدائرُ الثلج خلال شعرها الفاحم وقد غطى ما كشفَ عنه قميصُها المتهدل ، همستْ :

هل لك أن تبادلني المقعد ؟ لا أحبُ الجلوسَ قرب النافذة فلا شيء سوى الظلام وقد أرهقني سنيناً طويلة.
نعم تفضلي سيدتي
شكرا لكرمك
................

نحن على ارتفاع عشرة آلاف متر رحلة ممتعة أتمناها لكم ...قال كابتن الطائرة

مضى أكثر من نصف الرحلة كنتُ أسمعُ شدةَ أنفاسِها وأشعرُ إنها ترقَبُني بين الفينة والأخرى .

بادرتْ بصوتٍ كأنين الينابيع : ما لي أراك بدائيَ الصمتِ؟
- أنا كذلك مذ لُفظتُ لهذا العالم البغيض.
- أطعنةُ غدرٍ؟
لالا.. بل هناك زهرةٌ تريقُ عطرَها المنعش في دهاليز ذاكرتي الموحشة
كانت على موعدٍ مع النسيم ،داهمتها العاصفة، طوّحتْها ريشةً في المهب
وكلما أفلتْ الشمسُ تحررت خيوطُ الذاكرةِ برقصةٍ مجنونةٍ ،أغمضُ عينيَّ ،أتحسسُها قربي ،أنفاسُها تستعرُ بدمي ،أمدُ يدي ،أتوقُ لاحتضانها ،يرتدُ صدى العناقِ بلاطائل ومرارةُ الفقدِ تتقاطرُ من فمي .

شبكتْ عشرَها، وسحنتْ راحاً براح وقالت :أبحثت عنها ؟ ألم تلتقيا بعد ؟

بحثتُ عنها كثيراً أجوبُ المنافي ربما تجمعُنا أقدارُنا ...ذاتَ يومٍ بعد أن عزّ اللقاء"
وربما نلتقي بأروقةِ المقابر في طريقنا الى الشمس .


قالت : تحرقُ قلبي سحابةُ الحزن المشعةُ من عينيك ..أما آن لليلِ حزنِكَ أن ينجلي ؟
فأطلق آهاتَك لتسرقها غجريةٌ لها الأرضُ رقصةٌ وخلخال وتهربُ بها الى حيث الضباب .
- ليتني أستطيع ها قد فات الكثير ومابقى لا يسترُ عورةَ وحدتي الصمّاء أجودُ بنبضاتِ قلبٍ قتيل ،اغتسلتُ بماء المشيب لأبحث في سوق عكاظ عمن يشتري مني سيجارة التهم  نصفها الرمادُ ومسوداتِ رحلةِ احتراقٍ في ليلة أرق ....

كنت سأشتريها ولكن لا أراني أستحقها فماذا بعد ؟

أبحث عمن يعيرني رداء التناسي لأكتم صهيل قناديل الذكرى لأمس ضاع مني ..

زفرتْ بحُرقة ، خشخشتْ أساورَها وقالت : وأمسٍ ضاع مني
..................

أخرجتْ مجلةً من حقيبتها تُقلبها 
هل تعرف هذه ؟ أشارت إلى صورة إمرأة عشرينية 
تحرك شيءٌ بداخلي تزاحمت صورٌ وأماكن 
أجبتُ بصوتٍ متكسر نعم نعم أعرفها كان ذلك منذ ثلاثة عقود ...


تابع لو سمحت ...

كانت إمرأةً عذراءَ القلبِ مجدليةَ الوجه بابليةَ المقل،على تعرجاتِ أنوثتِها يسترسلُ الشُروقُ قُبيل هدهدة الندى ،تسخرُ من صباها ،مهرةً محمحمةً على قيد الجُموح ، صاخبةً كجنونِ الموج ..



لمحتُها مسحت دمعة 
صفها لي قبل ان تطوحها العاصفة ريشة في المهب ...


أسندتُ رأسي على النافذة مددت نظري بعمق ظلموت الليل وكأن الزمان عاد بي لتلك الليلة الساجية حيث تسلل شعاعُ القمر الدافئ عبر النافذة يكشفُ عن قامةٍ هيفاء لسمراءٍ كسُمرة الأصيل ، منثورةُ الشعر، في عينيها إفاقةُ فجرٍ وتنهيدةُ شاطئ، مبللةُ الخدين بالندى ، تتأوهُ حزناً لا لذة وترقصُ شجواً لا متعة ، تتلوى على ايقاع موجات أصواتٍ غير موزونةٍ مزيجٍ من صهيلِ خيلِ المغول وأصواتِ الرياح المخدوشة ،أفوافها ترائي عن خالٍ توّج سفحين لوادٍ لا يكادُ الضوءُ ينفذ إليه ،عن سهلٍ رطبٍ أنبتَ زهرةً ورديةً ما وجد الفراشُ طريقاً اليها. جدفنا هائمين في تلك السفوح ، أثقلَ أجفانَنا تدفقُ النبيذُ من ساقيةٍ يافعة .... قضمتْ الشمسُ آخرَ أظافرِ الليلِ.
غفونا ...
لست أدري كم لبثتُ ، رأيتُني في قيعانِ اليأسِ وقد تلفعتُ رداءَ البؤسِ ،أتعاطى كؤوسَ المرارةِ ،تلسعُني سياطُ الحزن
فزعاً أفقت
كانت قد تركت على وسادتها سواراً نُقش عليه اسمينا و رحلت
..........
تمتمتْ بحشرجةٍ بالكاد سمعتها ...

استدرجتها رُتيلاء أغرقتْها في وحلِ الظُلمة ،أدماها سلاءُ الزهر،غرّها البُهرجُ الخداعُ ولهاثُ الذكور راكعين على أعتابها .

ترهلَ وهجُها ،لفظوها على قارعة الطريق
أنظر الي ....أنظر إلي


التقت العيون ، صُعِقتُ

كاد وجيبُ قلبي أن يهشمَ الحنايا صائحاٌ

هي أنتِ هي أنتِ .......

هممتُ أن أحتضنها استدارت كل الرؤوس الينا ، تمالكتُ نفسي

طال الصمت 
الرجاء ربط أحزمة المقاعد نحن على وشك الهبوط ... قال الكابتن

مازالت العيونُ مصلوبةً متداخلاً سناها
لامست عجلات الطائر الأرض
تفجرتْ باكيةً تطرقُ صدري كلتا يديها
أخرج من صمتك ، تفجر ، لا تلتهم ما فيك من غضب ، تفجر ...تفجر ...إصفعني إن شئت .
سكن ضجيجُ محركات الطائرة ، ترجّل ركابُها
لست أدري ساعتها أكنتُ في غيبوبةٍ من وجع أم في موتٍ مُمِض ... لست أدري
وضعتْ المجلة في حجري ، شَهقتْ 

استدارتْ لا تكاد تحملُها قدماها ترددُ بألمٍ كثيف

لا تغفر لي ... لا تغفر لي
كانت تنتظرها سيارةٌ سوداءَ فارهة، أقلتها و ... عاودتْ الرحيل






ليست هناك تعليقات: