الفائز الثالث
استعارةُ النّار
الشاعر علي عريبي - تونس
أَعْلنتُ في خافِقِي المَهْجُورَ مَمْلَكَة
والنّاسُ حولَ دمي قدْ أَعْلَنوا أُحُدَا
كأنّهُم عَبَروا منْ كلِّ ذاكرةٍ
يَمشونَ في جسدِ الأشتاتِ فَاتَّحَدَا
يُخَبّئونَ الأساطيرَ الّتي نَفَقَتْ
تحتَ الكُفوفِ فصاروا للكفوفِ يَدَا
منْ قَبلِ أنْ يُخْلَقَ الإنسانُ أَسْمَعُهُمْ
يُهَلّـلونَ ولكنْ لا أرى أَحَدَا
قدْ شيّدوا فوق كفِّ الشّمسِ خَيْمَتَهُمْ
و اسْتَجْمَعوا منْ شراييني لها وَتَدَا
أَحْسَسْتُ أنَّ دمي موجٌ يُظَـلّـلهُمْ
فالحَفرُ في كبدي والنّزفُ ما نَفدَا
و اسْتَوقَدوا النّار في أكبادهِ اتّـــقَــدَتْ
وكلَّما أَطْفَؤوا نيرانَهُ اتّقَدَا
هُو الّذي حاكَ للأكوانِ زُخْرُفها
أسْكنْتُهُ في دمي, أخفيتهُ فبدى
و صافحَ النّارَ إذْ قامتْ تُصافِحُهُ
كأنّهُ منْ ضلوعِ النّارِ قدْ وُلِدَا
يمشي على الضّوءِ مسْكونًا بِوحْشَتِهِ
كأنّه الضّوءُ حينَ اشْتَدَّ واحْتَشَدَا
ألقى على ريحِهِ أثوابَ حَيْرَتِهِ
لَمَّا تَجَلّى على الأكوانِ مُبْـتَـعِدَا
وطافَ بالرّوحِ كالأغلالِ مُنْكَسِرًا
كَحَيْرَةٍ عَشَّشَتْ في أَضْلُعي أَمَدَا
أَوْحَى إلى الوحشةِ السّوداءِ في دمهِ
كوني كتابي فجاءتهُ السّماءُ صَدَى
وبايَعَتْهُ المعاريجُ الّتي جَحَدَتْ جِهاتها
فَبِأَيِّ الوحي قدْ صَعَدَا
هنا أقامَ ببابِ الجرحِ مَلْحَمَةً
واسْتَوطنَ النّبضَ حتّى اسْتَنْزَفَ الجَسَدَا
هنا يصيرُ دمي ضوءًا وأُصْبِحُ غَيْمَةً
لِأَستَلَّ منْ أمواتِها الأَبَدَا
دَمي صَهيلُ المعاريجِ الّتي وُئِدَتْ
أَوْرثـــتُهُ زمني, سَمّيْتُهُ الصَمَدَا
آنَسْتُ آخِرَةً في نَبْضِهِ فَمَضى
يَشُقُّ في المُنْتَهى دينًا و مُعْتَقَدَا
فمَالت الأرضُ فوق الشّمسِ تُغْرِقُها
وَارْتَدَّ في كفّهِ الطوفانُ مُرْتَعِدَا
ونادَ في الطُّورِ كنْ جسمي و أَفْئِدَتي
فجاءَهُ الطُّورُ و التّاريخُ قدْ سَجَدَا
يا شهقةَ الرّوحِ إنّي هاهنا مِزَقٌ
هَيّأَتُ ذاكرتي للطائِفينَ سُدَى
كأنّني إذْ يُـواري الطّيرُ قافيتي
يَرْتَدُّ صوتي كأَنّي لمْ أَمُتْ أَبَدَا
فهاهنا حِمَمٌ تغفو على لُغَتي
جَمّعتها انْفَرَطتْ تَسْتَنْفِرُ المَدَدَا
خَبَّأتُها في دمي فَاصَّاعَدَتْ قَبَسًا مِنَ الذّهولِ
أَضاعَ المَتْنَ و السّنَدَا
تَبَّتْ يَداها فَلَمَّا أَوْقَدَتْ شُعَبًا
خَلَعْتُ عن جيدِها النّيرانَ و المَسَدَا
هنا تُشَيِّدُ عرشَ النّارِ الّتي فَقَدَتْ
وكنتُ أَحْسَبُ أَنّي العرش الّذي فُقِدَا
وكنتُ أَحْسَبُ أَنّي فكرَةٌ وُئِدَتْ
فصاحَت الأرضُ منْ منَّا الّذي وُئِدَا
أَكانَ جسْمُكَ تحتَ الرّملِ أمْ جَسدي
فَإنّنا وِحْدَةٌ لا تَنْفَصِلْ أَبَدَا
عَلّقْتُ قبري على الأيّامِ تَحْمِلهُ
كأنّني كُلّما متُ انْبَعَثْتُ غَدَا
وَقَفْتُ أَرْفَعُ عن ظهري السّماءَ وَلَمْ
أَزَلْ أَطوفُ بباب اللّيلِ مُنْفَرِدَا
حتّى انْبَعَثْتُ من الأفلاكِ قاطِبَةً شكوى
و مالَ عليَّ الكونُ وَ اسْتَنَدَا
كأنّني صوتُهُ الرَّائي فَلِي زَمَنٌ
منَ الرَّمادِ يَشُقُّ القلبَ و الكَبِدَا
وَلي أُفولي ورُؤيا الأَوّلين ولي
شعري أَصيرُ على أَنْقاضِهِ بَلَدَا



ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق