النقد
الثاني
ياسر عبد الحسيب – مصر
مقدمة :
الشمس ذلك النجم الملتهب الذي يبدو في الصباح الباكر ، وعند الغروب المدابر
على هيئة كرة من العقيق الأحمر ، لكنها أثناء النهار لا تكون على هذه الصورة
التي يمكن تصويرها فنيًّا ، وإنما يشعر المرء بوجودها من خلال ضيائها
وحرارتها ، وهذا الشعور واحد عند البشر جميعهم ، ولكنه في نظرة الشعراء
ربما كان مختلفًا تمام الاختلاف ؛ وذلك لاختلاف الإدراك الشعري للظواهر
الكونية عن الإنسان العادي الذي ينظر إلى الشمس ـ مثلاً ـ هذه النظرة التي
تربطها بما تتركه من آثار على العناصر البيئية جميعها0
وإذا كانت نظرة الشعراء للشمس ـ موضوع البحث ـ مختلفة عن نظرة سائر
البشر ، فهل كانت نظرة الشعراء جميعهم وفي أعصارهم الممتدة منذ العصر
الجاهلي إلى الشمس واحدة ؟ وإذا كان شعراء الجاهلية قد تأثروا بالشمس تأثرًا
عقديًّا احتضنه الفكر الميثوديني القديم ، فهل ظل هذا التأثر بعد ظهور الإسلام ،
ورسوخه في نفوس المسلمين شعراء أو غير شعراء ؟ وهل كانت النظرة النقدية
لتوظيف الشمس في الشعر العربي واحدة على اختلاف عصوره ومراحله أم أن
التقاد قد وظفوا معارفهم وعلومهم لإبراز صورة الشمس في الشعر العربي ؟! 0
البشر ، فهل كانت نظرة الشعراء جميعهم وفي أعصارهم الممتدة منذ العصر
الجاهلي إلى الشمس واحدة ؟ وإذا كان شعراء الجاهلية قد تأثروا بالشمس تأثرًا
عقديًّا احتضنه الفكر الميثوديني القديم ، فهل ظل هذا التأثر بعد ظهور الإسلام ،
ورسوخه في نفوس المسلمين شعراء أو غير شعراء ؟ وهل كانت النظرة النقدية
لتوظيف الشمس في الشعر العربي واحدة على اختلاف عصوره ومراحله أم أن
التقاد قد وظفوا معارفهم وعلومهم لإبراز صورة الشمس في الشعر العربي ؟! 0
إننا في هذه الدراسة نحاول أن نبحث عن إجابة لهذه الأسئلة ، وما يعنُّ من أسئلة
أخرى تطرحها الدراسة في محاولة للوصول إلى مجموعة من النتائج
المستخلصة
من الطرح الذي يطرحه البحث في سبيل الوقوف على حقيقة النظرة الشعرية إلى
الشمس في الشعر الأموي ، واقترابها أو افتراقها من النظرة الشعرية الجاهلية ،
أم أن ثمة تقاربًا أو توحدًا في النظرة إليها في الجاهلية وبعد الإسلام خاصة في
العصر الأموي الذي شهد من بين ما شهد حضور المسلمين من غير العرب ،
والعصبية العربية التي غذَّتْها قصور الخلافة الأموية ، وما تركته هذه العصبية
من آثار سلبية في نفوس غير العرب من المسلمين هؤلاء الذين وَغِرَتْ صدورهم
على الخلافة الأموية ، وتمنت زوالها ، بل وساعدت على ذلك ، وهو ما حفظه
تاريخ قيام الدولة العباسية 0
أخرى تطرحها الدراسة في محاولة للوصول إلى مجموعة من النتائج
المستخلصة
من الطرح الذي يطرحه البحث في سبيل الوقوف على حقيقة النظرة الشعرية إلى
الشمس في الشعر الأموي ، واقترابها أو افتراقها من النظرة الشعرية الجاهلية ،
أم أن ثمة تقاربًا أو توحدًا في النظرة إليها في الجاهلية وبعد الإسلام خاصة في
العصر الأموي الذي شهد من بين ما شهد حضور المسلمين من غير العرب ،
والعصبية العربية التي غذَّتْها قصور الخلافة الأموية ، وما تركته هذه العصبية
من آثار سلبية في نفوس غير العرب من المسلمين هؤلاء الذين وَغِرَتْ صدورهم
على الخلافة الأموية ، وتمنت زوالها ، بل وساعدت على ذلك ، وهو ما حفظه
تاريخ قيام الدولة العباسية 0
وفي سبيل الإجابة على ما تطرحه الدراسة من أسئلة انتهجت لنفسها منهجًا يجمع
بين التاريخ والدين والأسطورة ؛ لأن التاريخ سوف يحدد طبيعة الظواهر
المدروسة والفِكَر المطروحة ، ويوقفنا على فهم دقيق لطبيعة الآثار التي تركها
توظيف الشمس في الشعر العربي ، والدين سوف يربط بين النظرة الجاهلية
والنظرة التي جاءت بعد ظهور الإسلام وطبيعة التوظيف الفني ، أما الأسطورة ،
فإنها سوف تكون رابطًا بين التاريخ والدين ، من حيث إنها تجمع بُعدًا تاريخبًّا لا
يمكن للمرء التغافل عنه ، وبُعدًا دينيًّا عقديًّا برز في النظرة التقديسية للشمس 0
بين التاريخ والدين والأسطورة ؛ لأن التاريخ سوف يحدد طبيعة الظواهر
المدروسة والفِكَر المطروحة ، ويوقفنا على فهم دقيق لطبيعة الآثار التي تركها
توظيف الشمس في الشعر العربي ، والدين سوف يربط بين النظرة الجاهلية
والنظرة التي جاءت بعد ظهور الإسلام وطبيعة التوظيف الفني ، أما الأسطورة ،
فإنها سوف تكون رابطًا بين التاريخ والدين ، من حيث إنها تجمع بُعدًا تاريخبًّا لا
يمكن للمرء التغافل عنه ، وبُعدًا دينيًّا عقديًّا برز في النظرة التقديسية للشمس 0
الفصل الأول
مداخل تمهيدية
1ـ 1ـ الشمس
1ـ 2ـ الشمس في المرجعية الدينية
1ـ3 ـ المرأة / الرجل
|
1ـ1ـ الشمس :
يشير الجذر اللغوي شمس في اللغة العربية إلى التلوُّن وقلة الاستقرار ، والشمس
معروفة سميت بذلك لأنها غير مستقرة ، فهي أبدًا متحركة ، والشَّمُوسُ من
الدوابِّ الذي لا يكاد يستقر ، والمرأة الشَّمُوس التي تنفر من الريبة ، أو التي لا
تُطالع الرجالَ ولا تُطمِعُهُمْ والجمع : شُمُس ، والرجل الشَّمُوس : الذي لا يستقر
على خُلُقٍ ، وهو عَسِرٌ في عداوته ، شديد الخلاف على مَنْ عانَدَهُ ، صعب الخُلُق
، والشَّمُوس من أسماء الخمر ؛ لأنها تجمحُ بصاحبها جِماح الشَّمُوس من الدواب
، والمشَمَّسُ هو الشديد الذي يمنع ما وراء ظهره ، والمشَمَّسُ هو البخيل الذي لا
تنال منه خيرًا ، والشَّمْس : ضرب من القلائد وهو مِعْلاق القلادة في العنق ،
وقيل الشمس قلادة الكلب ، والشمسة : مشطة للنساء ، وبنو الشُّموس بطن ،
وعين شمس : موضع وشمس عين ماء ، وعبد شمس : بطنٌ من بطون قريش ،
سُمُّوا بذلك الصنم () ومنه التشميس وهو عبادة الشمس () وشُمْسٌ " صنمٌ كان
لبني تميم ، وكان له بيتٌ ، وكانتْ تعبُدُه بنو أدّ كلُّها " () 0
معروفة سميت بذلك لأنها غير مستقرة ، فهي أبدًا متحركة ، والشَّمُوسُ من
الدوابِّ الذي لا يكاد يستقر ، والمرأة الشَّمُوس التي تنفر من الريبة ، أو التي لا
تُطالع الرجالَ ولا تُطمِعُهُمْ والجمع : شُمُس ، والرجل الشَّمُوس : الذي لا يستقر
على خُلُقٍ ، وهو عَسِرٌ في عداوته ، شديد الخلاف على مَنْ عانَدَهُ ، صعب الخُلُق
، والشَّمُوس من أسماء الخمر ؛ لأنها تجمحُ بصاحبها جِماح الشَّمُوس من الدواب
، والمشَمَّسُ هو الشديد الذي يمنع ما وراء ظهره ، والمشَمَّسُ هو البخيل الذي لا
تنال منه خيرًا ، والشَّمْس : ضرب من القلائد وهو مِعْلاق القلادة في العنق ،
وقيل الشمس قلادة الكلب ، والشمسة : مشطة للنساء ، وبنو الشُّموس بطن ،
وعين شمس : موضع وشمس عين ماء ، وعبد شمس : بطنٌ من بطون قريش ،
سُمُّوا بذلك الصنم () ومنه التشميس وهو عبادة الشمس () وشُمْسٌ " صنمٌ كان
لبني تميم ، وكان له بيتٌ ، وكانتْ تعبُدُه بنو أدّ كلُّها " () 0
هذه هي الدلالات اللغوية التي حوتها المعاجم العربية عن الجذر اللغوي شمس ،
ونستطيع أن نميز من هذه الدلالات ما يتعلق بالمرأة : تنفر من الريبة ولا تطالع
الرجال ولا تُطمعهم ، وما يتعلق بالرجل : لايستقر على خلق ، صعب ، شديد
العداوة ، يحمي أهله وعرضه ، وهو البخيل كذلك ، وما يتعلق بالدواب : الجموح
الذي لا يكاد
يستقر ، وعندما نربط هذه الدلالات بالشمس كجرم من الأجرام السماوية ،
وضوئها وطاقتها وتغيرها وعدم استقرارها ، نستطيع أن ندرك شيئًا من أسرار
تقديس العرب للشمس حتى كانوا يسجدون لها كما حكاه القرآن الكريم على لسان
الهدهد في قول الله عز وجلَّ :﴿ وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللهِ
﴾ [النمل 24] 0
ونستطيع أن نميز من هذه الدلالات ما يتعلق بالمرأة : تنفر من الريبة ولا تطالع
الرجال ولا تُطمعهم ، وما يتعلق بالرجل : لايستقر على خلق ، صعب ، شديد
العداوة ، يحمي أهله وعرضه ، وهو البخيل كذلك ، وما يتعلق بالدواب : الجموح
الذي لا يكاد
يستقر ، وعندما نربط هذه الدلالات بالشمس كجرم من الأجرام السماوية ،
وضوئها وطاقتها وتغيرها وعدم استقرارها ، نستطيع أن ندرك شيئًا من أسرار
تقديس العرب للشمس حتى كانوا يسجدون لها كما حكاه القرآن الكريم على لسان
الهدهد في قول الله عز وجلَّ :﴿ وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللهِ
﴾ [النمل 24] 0
وإذا كانت هذه العبادة مرتبطة بالعرب الجنوبيين الذين تمثلهم ملكة سبأ
الشهيرة بلقيس فإن " الإله بَعْل الذي عُرِف داخل شبه الجزيرة العربية في
الواحات ومساقط الأمطار ، هو إله الشمس ، وقد عبدته قبائل عربية متعددة ،
وتسمَّتْ به كعبد شمس وامرئ الشمس وعبد السارق وعبد المحرِّق ، وتشخصت
الشمس بصنم وبنوا لها الهياكل " () وهو صنم من الأصنام المعبودة عند العرب
القدماء ، وقد ورد ذكر هذا الصنم في القرآن الكريم في قول الله عزّ وجلَّ : ﴿
أَتَدْعُونَ بَعْلاً وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ ﴾[ سورة الصافات 125] 0
الشهيرة بلقيس فإن " الإله بَعْل الذي عُرِف داخل شبه الجزيرة العربية في
الواحات ومساقط الأمطار ، هو إله الشمس ، وقد عبدته قبائل عربية متعددة ،
وتسمَّتْ به كعبد شمس وامرئ الشمس وعبد السارق وعبد المحرِّق ، وتشخصت
الشمس بصنم وبنوا لها الهياكل " () وهو صنم من الأصنام المعبودة عند العرب
القدماء ، وقد ورد ذكر هذا الصنم في القرآن الكريم في قول الله عزّ وجلَّ : ﴿
أَتَدْعُونَ بَعْلاً وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ ﴾[ سورة الصافات 125] 0
ويبدو أن عبادة الشمس كانت معروفة في الجزيرة العربية منذ أيام نبي الله
إبراهيم عليه السلام ، وذلك ما حكاه القرآن الكريم عن حالة إبراهيم عليه السلام
عندما أدرك سفاهة قومه العابدين للأصنام ، وخرج يبحث عن الإله المستحق
للعبادة مُعْمِلاً عقله ، فهو يرى الكوكب بازغًا ، فيحسبه ربه ، ولما أفَل الكوكب
رفض عبادته لأنه لا يُحب الآفلين ، ولما سطع القمر بنوره الذي أضاء ظلمات
الليل حسبه ربه أيضًا ، فلما أظلم القمر ، واختفى نوره أدرك إبراهيم أنه لا
يستحق العبادة ، ثم كانت الشمس كما حكى القرآن الكريم ﴿ فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ
بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ ﴾
[ سورة الأنعام 78] 0
إبراهيم عليه السلام ، وذلك ما حكاه القرآن الكريم عن حالة إبراهيم عليه السلام
عندما أدرك سفاهة قومه العابدين للأصنام ، وخرج يبحث عن الإله المستحق
للعبادة مُعْمِلاً عقله ، فهو يرى الكوكب بازغًا ، فيحسبه ربه ، ولما أفَل الكوكب
رفض عبادته لأنه لا يُحب الآفلين ، ولما سطع القمر بنوره الذي أضاء ظلمات
الليل حسبه ربه أيضًا ، فلما أظلم القمر ، واختفى نوره أدرك إبراهيم أنه لا
يستحق العبادة ، ثم كانت الشمس كما حكى القرآن الكريم ﴿ فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ
بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ ﴾
[ سورة الأنعام 78] 0
ومن الملاحظ أن القرآن الكريم قد جعل الشمس مؤنثة ، ولعل ذلك ما يفسِّر تلك
الملاحظة التي لاحظها ديتلف نيلسون وغيره من العلماء والمؤرخين عن الآلهة
في الجزيرة العربية أن " جميع الأسماء المؤنثة للآلهة هي ألقابٌ أو صفاتٌ لإلهة
الشمس ، إن الاسم شمس كالقوة الجاذبة التي تجذب إليها سائر أسماء الآلهة الآخرين " () 0
الملاحظة التي لاحظها ديتلف نيلسون وغيره من العلماء والمؤرخين عن الآلهة
في الجزيرة العربية أن " جميع الأسماء المؤنثة للآلهة هي ألقابٌ أو صفاتٌ لإلهة
الشمس ، إن الاسم شمس كالقوة الجاذبة التي تجذب إليها سائر أسماء الآلهة الآخرين " () 0
وإذا كان ديتلف نيلسن قد نظر إلى الشمس الإلهة على أنها مؤنثة ، فإننا
نجد جفري بارندر يعُدُّه ذكرًا في حديثه عن الآلهة المنتمية إلى عالم النجوم
والكواكب عند السومريين والساميين ، ومنها القمر والشمس أو شاماس كما كان
عند الساميين ، فهو يقول عنه : " أما إله الشمس والإلهة الرائعة إنانا
Inanna ويقع معبده الرئيسي في مدينة أور Ur وحرّان أما شاماس أو شمس أو
الشمس ، فهو يعبر السماء يوميًّا بعربته مُبَدِّدًا الظلام والشر، بينما يوزع أشعته
بالتساوي على جميع الموجودات على نحوٍ صارمٍ ، وبلا تفرقة ، وفي الليل يعبر
العالم السفلي ، ويواصل دورته بوصفه القاضي الأكبر وإله القرارات ، وكان
يُرمَز له في بابل بالشمس ذات الأشعة الأربعة ، في حين كانوا يصورونه في
آشور بقرص الشمس المجنَّح " () 0
نجد جفري بارندر يعُدُّه ذكرًا في حديثه عن الآلهة المنتمية إلى عالم النجوم
والكواكب عند السومريين والساميين ، ومنها القمر والشمس أو شاماس كما كان
عند الساميين ، فهو يقول عنه : " أما إله الشمس والإلهة الرائعة إنانا
Inanna ويقع معبده الرئيسي في مدينة أور Ur وحرّان أما شاماس أو شمس أو
الشمس ، فهو يعبر السماء يوميًّا بعربته مُبَدِّدًا الظلام والشر، بينما يوزع أشعته
بالتساوي على جميع الموجودات على نحوٍ صارمٍ ، وبلا تفرقة ، وفي الليل يعبر
العالم السفلي ، ويواصل دورته بوصفه القاضي الأكبر وإله القرارات ، وكان
يُرمَز له في بابل بالشمس ذات الأشعة الأربعة ، في حين كانوا يصورونه في
آشور بقرص الشمس المجنَّح " () 0
ولم يقف أمر تبجيل الشمس ـ خاصة ـ وتقديسها بالعبادة عند العرب القدامى ،
وإنما تعداها إلى النجوم والكواكب ومنها القمر كما ورد في حوارية إبراهيم عليه
السلام تلك التي أشرنا إليها من قبل من خلال النص القرآني الكريم ، ومن ثمة
فإننا " نكون أمام ثالوثٍ معبودٍ هو الشمس والقمر والنجم الثاقب الذي هو عثتر
في نصوص العرب الجنوبيين " () أو ربما كان " هو الزهرة في رأي معظم الباحثين
"
() وثمة أساطير دينية عند اليونانيين والهنود القدامى ، وكذلك عند بعض الشعوب
الأخرى تروي أن عثتر هذا هو الابن الناتج عن زواج القمر بالشمس () 0
وإنما تعداها إلى النجوم والكواكب ومنها القمر كما ورد في حوارية إبراهيم عليه
السلام تلك التي أشرنا إليها من قبل من خلال النص القرآني الكريم ، ومن ثمة
فإننا " نكون أمام ثالوثٍ معبودٍ هو الشمس والقمر والنجم الثاقب الذي هو عثتر
في نصوص العرب الجنوبيين " () أو ربما كان " هو الزهرة في رأي معظم الباحثين
"
() وثمة أساطير دينية عند اليونانيين والهنود القدامى ، وكذلك عند بعض الشعوب
الأخرى تروي أن عثتر هذا هو الابن الناتج عن زواج القمر بالشمس () 0
بيد أن هذا الزواج أو الاقتران بين الشمس والقمر ، وما نتج عنه من النسل الماثل
في كوكب الزهرة ، وإن كان شائعًا وموثقًا في نقوش وأساطير الأمم الأخرى
كالسومريين والأكاديين وغيرهم ، إلاّ أن النقوش الموروثة عن العرب في
الجاهلية لا تشير من قريب أو بعيد إلى مثل هذا الزواج أو الاقتران ـ رغم شيوع
الفكرة نفسها عنهم ؛ ربما رجع ذلك لصلاتهم ومجاورتهم للشعوب الأخرى التي
حفلت نقوشها وأساطيرها بهذا الزواج " ومن ثَمَّ فإننا عاجزون عن فهم حقيقة
هذه الصلة العائلية بين هذا الثالوث على النحو الذي كان يتصوره الجاهليون ،
وقد ورد في اللغة العربية لفظ اقتران في كتب النجوم والأنواء ، ويُطلق عادة
على اقتران الشمس بالقمر ، واقتران الكواكب الأخرى بعضها ببعض ، مما
يوحي بأن وراء هذا الثالوث الوثني أسطورة دينية ضاعتْ فيما ضاع من أخبار
الجاهليين " () وقد لا نستبعد نحن ارتباط هذا الثالوث بصورة أو بأخرى بعقيدة
التثليث عند النصارى الذين عرفتهم بلاد العرب مع الحواريين الذين قاموا بنشر
المسيحية في بقاع مختلفة كان من بينها بلاد العرب ، أو ربما كانت هذه
المعرفة
قبل ذلك فإن " أول اتصالٍ للنصارى بالعرب تم بمؤسس المسيحية يسوع
الناصري " () 0
في كوكب الزهرة ، وإن كان شائعًا وموثقًا في نقوش وأساطير الأمم الأخرى
كالسومريين والأكاديين وغيرهم ، إلاّ أن النقوش الموروثة عن العرب في
الجاهلية لا تشير من قريب أو بعيد إلى مثل هذا الزواج أو الاقتران ـ رغم شيوع
الفكرة نفسها عنهم ؛ ربما رجع ذلك لصلاتهم ومجاورتهم للشعوب الأخرى التي
حفلت نقوشها وأساطيرها بهذا الزواج " ومن ثَمَّ فإننا عاجزون عن فهم حقيقة
هذه الصلة العائلية بين هذا الثالوث على النحو الذي كان يتصوره الجاهليون ،
وقد ورد في اللغة العربية لفظ اقتران في كتب النجوم والأنواء ، ويُطلق عادة
على اقتران الشمس بالقمر ، واقتران الكواكب الأخرى بعضها ببعض ، مما
يوحي بأن وراء هذا الثالوث الوثني أسطورة دينية ضاعتْ فيما ضاع من أخبار
الجاهليين " () وقد لا نستبعد نحن ارتباط هذا الثالوث بصورة أو بأخرى بعقيدة
التثليث عند النصارى الذين عرفتهم بلاد العرب مع الحواريين الذين قاموا بنشر
المسيحية في بقاع مختلفة كان من بينها بلاد العرب ، أو ربما كانت هذه
المعرفة
قبل ذلك فإن " أول اتصالٍ للنصارى بالعرب تم بمؤسس المسيحية يسوع
الناصري " () 0
وكانت لهذه الآلهة المنتمية إلى الأجرام السماوية طقوس خاصة حتى نزول
القرآن الكريم () الذي نهى فيه الله تعالى العرب عن السجود للشمس و القمر في
قوله تعالى : ﴿ وَمِنْ ءَايَاتِه اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لاَ تَسْجُدُوا للشَّمْسِ
وَلاَ لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا للهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ﴾[ سورة فُصِّلت 37
] وسورة فُصِّلَتْ مكية بإجماع المفسرين () ومكيتها تستدعي خطاب مشركي
مكة
من العرب وهو ما يؤكد عبادتهم لهذه الأجرام السماوية ، وإلا لما نهاهم الله
تعالى
عن السجود للشمس أو للقمر بل الأولى أن يسجدوا لله الذي خلقهما 0
القرآن الكريم () الذي نهى فيه الله تعالى العرب عن السجود للشمس و القمر في
قوله تعالى : ﴿ وَمِنْ ءَايَاتِه اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لاَ تَسْجُدُوا للشَّمْسِ
وَلاَ لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا للهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ﴾[ سورة فُصِّلت 37
] وسورة فُصِّلَتْ مكية بإجماع المفسرين () ومكيتها تستدعي خطاب مشركي
مكة
من العرب وهو ما يؤكد عبادتهم لهذه الأجرام السماوية ، وإلا لما نهاهم الله
تعالى
عن السجود للشمس أو للقمر بل الأولى أن يسجدوا لله الذي خلقهما 0
ومن خلال الآيات القرآنية الكريمة ، وكلام المؤرخين ندرك أن العرب في
جنوب
الجزيرة أو شمالها كانوا يعبدون الشمس مِنْ بين ما كانوا يعبدون من دون الله
تعالى ، فقد قدسوها وبنوا لها الهياكل العظيمة " وقربوا لها القرابين وحجوا إليها
وذبحوا لها الذبائح ، واعتكفوا عندها خاضعين عابدين " () وذلك لما
للشمس " من أثرٍ بارزٍ في الزرع والأرض ، وفي حياة الإنسان بصورة مطلقة "
() وقد كان لها عند اليمنيين القدامى مكانة قدسية فهي الإلهة المعبودة التي تنعم
على عبادها بكل النعم :
جنوب
الجزيرة أو شمالها كانوا يعبدون الشمس مِنْ بين ما كانوا يعبدون من دون الله
تعالى ، فقد قدسوها وبنوا لها الهياكل العظيمة " وقربوا لها القرابين وحجوا إليها
وذبحوا لها الذبائح ، واعتكفوا عندها خاضعين عابدين " () وذلك لما
للشمس " من أثرٍ بارزٍ في الزرع والأرض ، وفي حياة الإنسان بصورة مطلقة "
() وقد كان لها عند اليمنيين القدامى مكانة قدسية فهي الإلهة المعبودة التي تنعم
على عبادها بكل النعم :
والْفُقَرَاءَ في المَآدِبِ خُبْزًا أَطْعَمْتِ
وَالْعَيْنَ مِنْ أَعْلَى الْوَادِي أَجْرَيْتِ
وَفِي الْحَرْبِ وَالشِّدَّةِ قَوَّيْتِ
وَمَنْ يَحْكُمُ بِالْبَاطِلِ مَحَقْتِ
وَغَدِيرُ ( تَفِيضُ ) لَمَّا نَقَصَ زَيَّدْتِ
وَلِبَانَ ( إِلْعَزَ ) دَائِمًا مَا بَيَّضْتِ
وَسَحَرَ اللاَّتِ إِنِ اشْتَدَّ ظَلاَمُهُ بَلَّجْتِ
وَمَنْ يَجْأَرُ ذَاكِرًا نِعَمَكِ رَزَقْتِ
وَالْكَرْمُ صَارَ خَمْرًا لَمَّا أَنْ سَطَعْتِ ()
إلى غير ذلك من النعم والهبات التي التي أسبغتها الشمس الإلهة على الحميريين
من عرب اليمن في جنوب الجزيرة العربية ، ومن ثمة كانت عبادتهم لها
وتقديمهم الصلوات والقرابين إليها في معابدها في صورة من صور العرفان
بنعمها وهباتها عليهم 0
من عرب اليمن في جنوب الجزيرة العربية ، ومن ثمة كانت عبادتهم لها
وتقديمهم الصلوات والقرابين إليها في معابدها في صورة من صور العرفان
بنعمها وهباتها عليهم 0
ولا شك أن العرب في بيئتهم الصحراوية القاحلة كانوا يدركون أثر الشمس عليهم
، وعلى الحياة من حولهم ، فهم لا يرون طيلة النهار إلا الشمس وما تتركه من
أثر على كل شيء من حولهم : على حياة الإنسان والحيوان والنبات ، ومن ثمة
ندرك أن العرب قد " ألّهوها وعبدوها وشيدوا لها المعابد ، وقدموا لها القرابين ،
وفي أخبار الجاهليين وأشعارهم ما يؤكد عبادتهم لها ، وهي أخبارٌ فيما نُرجِّح
هذه الأخبار ، تعود إلى مرحلة بعينها من تاريخهم ، كانوا يستقرون فيها
بالأراضي الخصبة المنتشرة في أطراف الجزيرة ووسطها " () 0
، وعلى الحياة من حولهم ، فهم لا يرون طيلة النهار إلا الشمس وما تتركه من
أثر على كل شيء من حولهم : على حياة الإنسان والحيوان والنبات ، ومن ثمة
ندرك أن العرب قد " ألّهوها وعبدوها وشيدوا لها المعابد ، وقدموا لها القرابين ،
وفي أخبار الجاهليين وأشعارهم ما يؤكد عبادتهم لها ، وهي أخبارٌ فيما نُرجِّح
هذه الأخبار ، تعود إلى مرحلة بعينها من تاريخهم ، كانوا يستقرون فيها
بالأراضي الخصبة المنتشرة في أطراف الجزيرة ووسطها " () 0
ولا شك أن ربط عبادة الشمس بالخصب الذي يبدو في استقرار العرب
بالأراضي
الخصبة حيث النبات المتأثر بالشمس هو محاولة لتأكيد فكرة الخصوبة وهي
العامل المشترك بين الشمس والمرأة باعتبارهما إلهتيْن أو معبودتين عند العرب
القدماء وعند غيرهم من الأمم الأخرى ، إذ " من الجدير بالذكر أن الشمس
والقمر والزهرة كانت معبودات رئيسية في كل من : العراق والشام ومصر ،
وسائر أنحاء الجزيرة في مختلف أدوار التاريخ القديم ، وكان الشعب العربي في
العراق يُسمّي القمر (سين) ، والشمس ( شمشا) والزهرة (عشتار) وكان الشعب
العربي في الشام يُسمّي الزهرة عشتروت " () وهذه الآلهة الثلاثة تؤكد على أن
العرب قد أولوا الأجرام السماوية عنايتهم ، وخصوها بالعبادة شأنهم في ذلكشأن
غيرهم من الأمم في تلك الحِقب التاريخية الموغلة في القِدَم 0
بالأراضي
الخصبة حيث النبات المتأثر بالشمس هو محاولة لتأكيد فكرة الخصوبة وهي
العامل المشترك بين الشمس والمرأة باعتبارهما إلهتيْن أو معبودتين عند العرب
القدماء وعند غيرهم من الأمم الأخرى ، إذ " من الجدير بالذكر أن الشمس
والقمر والزهرة كانت معبودات رئيسية في كل من : العراق والشام ومصر ،
وسائر أنحاء الجزيرة في مختلف أدوار التاريخ القديم ، وكان الشعب العربي في
العراق يُسمّي القمر (سين) ، والشمس ( شمشا) والزهرة (عشتار) وكان الشعب
العربي في الشام يُسمّي الزهرة عشتروت " () وهذه الآلهة الثلاثة تؤكد على أن
العرب قد أولوا الأجرام السماوية عنايتهم ، وخصوها بالعبادة شأنهم في ذلكشأن
غيرهم من الأمم في تلك الحِقب التاريخية الموغلة في القِدَم 0
وكان للشمس والقمر حضور بارز في الشعر العربي في العصر الجاهلي ،
خاصة في لوحة المرأة : الغزل والنسيب والرحلة ، أو صورتها الجمالية عندما
كانوا يشبهونها بالشمس تارة ، وبالقمر تارة أخرى ، ومن ثمة كانت هناك علاقة
وثقى بين الشمس والقمر والمرأة هذه العلاقة التي حدتْ بالبعض إلى اعتبار
المرأة معبودة من بين المعبودات العربية القديمة اتكاءً على ما ورد في بعض
الأخبار التاريخية والآثار الحجرية وبقايا المعابد الوثنية القديمة عند العرب في
شمال الجزيرة العربية وجنوبها ، وتلك العلاقة سوف نقف متريثين أمامها ؛ لأن
المرأة كانت واحدة من الدلالات التي ربطتها المعاجم العربية بالدالة اللغوية شمس 0
خاصة في لوحة المرأة : الغزل والنسيب والرحلة ، أو صورتها الجمالية عندما
كانوا يشبهونها بالشمس تارة ، وبالقمر تارة أخرى ، ومن ثمة كانت هناك علاقة
وثقى بين الشمس والقمر والمرأة هذه العلاقة التي حدتْ بالبعض إلى اعتبار
المرأة معبودة من بين المعبودات العربية القديمة اتكاءً على ما ورد في بعض
الأخبار التاريخية والآثار الحجرية وبقايا المعابد الوثنية القديمة عند العرب في
شمال الجزيرة العربية وجنوبها ، وتلك العلاقة سوف نقف متريثين أمامها ؛ لأن
المرأة كانت واحدة من الدلالات التي ربطتها المعاجم العربية بالدالة اللغوية شمس 0
وثمة أمر أخير يرتبط بتقديس الشمس / المرأة في الموروث العربي القديم ،وهذا
الأمر هو ارتباط الشمس ببعض الحيوانات العربية التي مثلت في مدونة الشعر
العربي أيقونة شعرية خاصة في سياقات الغزل بالمرأة ، مثل الغزالة وهي في
اللغة : تُقَال للشمس عند ارتفاع النهار () وهي الشمس عند طلوعها ، أو أنها
وقت طلوع الشمس ، ومنها الغزل وهو محادثة النساء ومفاكهتهن () وهذا الربط
اللغوي بين الغزالة والغزل قد يبين العلة في كثرة تشبيه الشعراءالجاهليين للمرأة
بالغزالة ، وهو ما يستدعي تقديس العرب في الجاهلية للغزالة ؛ اتكاءً على ما
ورد حول قصة تجديد حفر بئر زمزم على يد جد النبي محمد صلى عليه وسلم
وهو عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف الذي عثر في أثناء توغله في الحفر
على غزالتين ذهبيتين كانت قبيلة جرهم قد دفنتهما () في هذا المكان ذي
المرجعية الدينية عند الهاشميين خاصة والعرب عامة ، ووجود الغزالتين
الذهبيتين دليل على تقديسهما 0
الأمر هو ارتباط الشمس ببعض الحيوانات العربية التي مثلت في مدونة الشعر
العربي أيقونة شعرية خاصة في سياقات الغزل بالمرأة ، مثل الغزالة وهي في
اللغة : تُقَال للشمس عند ارتفاع النهار () وهي الشمس عند طلوعها ، أو أنها
وقت طلوع الشمس ، ومنها الغزل وهو محادثة النساء ومفاكهتهن () وهذا الربط
اللغوي بين الغزالة والغزل قد يبين العلة في كثرة تشبيه الشعراءالجاهليين للمرأة
بالغزالة ، وهو ما يستدعي تقديس العرب في الجاهلية للغزالة ؛ اتكاءً على ما
ورد حول قصة تجديد حفر بئر زمزم على يد جد النبي محمد صلى عليه وسلم
وهو عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف الذي عثر في أثناء توغله في الحفر
على غزالتين ذهبيتين كانت قبيلة جرهم قد دفنتهما () في هذا المكان ذي
المرجعية الدينية عند الهاشميين خاصة والعرب عامة ، ووجود الغزالتين
الذهبيتين دليل على تقديسهما 0
1ـ 2 ـ الشمس في المرجعية الدينية :
إذا نظرنا في مواضع ورود الشمس في القرآن الكريم ، وجدناها ترد ثلاثًا
وثلاثين مرة وإذا ما حاولنا تحديد الدلالات السياقية التي وردت فيهافسوف نجد
التركيز على فكرة مخلوقيتها ، فقد خلقها الله تعالى ﴿ وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ
وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ﴾[ الأنبياء33] وسخرها لعباده ،
قال الله عز وجلّ : ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالْنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَروَالْنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ
بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾[ النحل 12] وقد جاء تسخير الشمس في
سورة الأعراف [ آية 54] وسورة الرعد [ آية 2] وسورة
إبراهيم [ آية 33] وسورة لقمان [ آية 29] وسورة فاطر [ آية 13] وسورة
الزمر [ آية 5] والتسخير يشير إلى أن الله تبارك وتعالى قد خلقها وذللها في
خدمة البشربمرجعية الضمير لكم 0
وثلاثين مرة وإذا ما حاولنا تحديد الدلالات السياقية التي وردت فيهافسوف نجد
التركيز على فكرة مخلوقيتها ، فقد خلقها الله تعالى ﴿ وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ
وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ﴾[ الأنبياء33] وسخرها لعباده ،
قال الله عز وجلّ : ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالْنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَروَالْنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ
بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾[ النحل 12] وقد جاء تسخير الشمس في
سورة الأعراف [ آية 54] وسورة الرعد [ آية 2] وسورة
إبراهيم [ آية 33] وسورة لقمان [ آية 29] وسورة فاطر [ آية 13] وسورة
الزمر [ آية 5] والتسخير يشير إلى أن الله تبارك وتعالى قد خلقها وذللها في
خدمة البشربمرجعية الضمير لكم 0
والتسخير يشير إلى القدرة الإلهية في تصريف الشمس وتحريكها ، وفي هذا
السياق ورد قول الله تعالى على لسان نبيه إبراهيم عليه السلام في حواريته مع
النمروذ بن كنعان : ﴿ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا
مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾ [البقرة258 ] ومن
ثمة ندرك أنها لا تتحرك إلا بأمر الله تعالى ، فلا تسير ولا تتوقف من تلقاء نفسها
، قال الله تعالى : ﴿ لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ
وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ﴾ [ يس 40] 0
السياق ورد قول الله تعالى على لسان نبيه إبراهيم عليه السلام في حواريته مع
النمروذ بن كنعان : ﴿ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا
مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾ [البقرة258 ] ومن
ثمة ندرك أنها لا تتحرك إلا بأمر الله تعالى ، فلا تسير ولا تتوقف من تلقاء نفسها
، قال الله تعالى : ﴿ لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ
وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ﴾ [ يس 40] 0
ومن صور الخلق والتسخير أن جعل الله تعالى لها وظائف تؤديها لمن خُلِقَت لهم
وسُخِّرت ، ومنها أن تكون الشمس ضياءً يضيء الكون ؛ حتى يقوم العالمون
على مصالحهم ، قال الله تعالى :﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاء وَالْقَمَرَ نُوراً
وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللّهُ ذَلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ
الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ [ يونس5 ] وقال تعالى :﴿ وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً وَجَعَلَ
الشَّمْسَ سِرَاجاً ﴾[ نوح 16] وقال الله تعالى :﴿ فَالِقُ الإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً
وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَاناً ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ﴾ [الأنعام 96] ومعنى حسبانًا
أنه بحساب يتعلق بمصالح العباد ، أو أن الشمس والقمر يسيران بحسابٍ لا يزيد
ولا ينقص ليدل على قدرة الله تعالى ووحدانيته ، أو أن الحسبان بمعنى الضياء ،
انطلاقًا من كونه في اللغة بمعنى النار () 0
وسُخِّرت ، ومنها أن تكون الشمس ضياءً يضيء الكون ؛ حتى يقوم العالمون
على مصالحهم ، قال الله تعالى :﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاء وَالْقَمَرَ نُوراً
وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللّهُ ذَلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ
الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ [ يونس5 ] وقال تعالى :﴿ وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً وَجَعَلَ
الشَّمْسَ سِرَاجاً ﴾[ نوح 16] وقال الله تعالى :﴿ فَالِقُ الإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً
وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَاناً ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ﴾ [الأنعام 96] ومعنى حسبانًا
أنه بحساب يتعلق بمصالح العباد ، أو أن الشمس والقمر يسيران بحسابٍ لا يزيد
ولا ينقص ليدل على قدرة الله تعالى ووحدانيته ، أو أن الحسبان بمعنى الضياء ،
انطلاقًا من كونه في اللغة بمعنى النار () 0
ومن وظائف الشمس دلالتها على الظل ووجوده ، قال الله تعالى : ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى
رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاء لَجَعَلَهُ سَاكِناً ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً
﴾ [الفرقان45] والمعنى في الآية : " جعلنا الشمس بنسخها الظل عند مجيئها دالة
على أن الظل شيءٌ ومعنًى ؛ لأن الأشياء تُعرف بأضدادها ، لولا الشمس ما
عُرِف الظل ، ولولا النور ما عُرِفتْ الظلمة " () والإنسان والحيوان
كما يحتاجان
إلى الشمس ، يحتاجان إلى الظل ومن ثم كان خلق الليل والنهار والشمس والقمر
والشروق والغروب ولذلك كان من وظائف الشمس الدلالة على الوقت ، قال
تعالى : ﴿ أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ
كَانَ مَشْهُوداً ﴾ [ الإسراء 78] وتلك إشارة إلى أوقات الصلوات ، وهو ما نجده
كذلك في قول الله عز وجل : ﴿ فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ
طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاء اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى
﴾ [ طه 130] ومثله ما ورد في قوله تعالى : ﴿ فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ
بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ ﴾ [ ق 39] وقد تشير الشمس إلى
الدلالة على المكان واقترانه بالزمان والوقت في قوله تعالى : ﴿ حَتَّى إِذَا بَلَغَ
مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ ﴾ [ الكهف86] وقوله تعالى : ﴿
حَتَّى
إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَّمْ نَجْعَل لَّهُم مِّن دُونِهَا سِتْراً ﴾
[ الكهف90] حيث نجد الدلالة المكانية في المكان الذي تغرب فيه الشمس أو
تشرق منه ، وكلاهما يستدعي الزمان 0
رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاء لَجَعَلَهُ سَاكِناً ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً
﴾ [الفرقان45] والمعنى في الآية : " جعلنا الشمس بنسخها الظل عند مجيئها دالة
على أن الظل شيءٌ ومعنًى ؛ لأن الأشياء تُعرف بأضدادها ، لولا الشمس ما
عُرِف الظل ، ولولا النور ما عُرِفتْ الظلمة " () والإنسان والحيوان
كما يحتاجان
إلى الشمس ، يحتاجان إلى الظل ومن ثم كان خلق الليل والنهار والشمس والقمر
والشروق والغروب ولذلك كان من وظائف الشمس الدلالة على الوقت ، قال
تعالى : ﴿ أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ
كَانَ مَشْهُوداً ﴾ [ الإسراء 78] وتلك إشارة إلى أوقات الصلوات ، وهو ما نجده
كذلك في قول الله عز وجل : ﴿ فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ
طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاء اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى
﴾ [ طه 130] ومثله ما ورد في قوله تعالى : ﴿ فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ
بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ ﴾ [ ق 39] وقد تشير الشمس إلى
الدلالة على المكان واقترانه بالزمان والوقت في قوله تعالى : ﴿ حَتَّى إِذَا بَلَغَ
مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ ﴾ [ الكهف86] وقوله تعالى : ﴿
حَتَّى
إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَّمْ نَجْعَل لَّهُم مِّن دُونِهَا سِتْراً ﴾
[ الكهف90] حيث نجد الدلالة المكانية في المكان الذي تغرب فيه الشمس أو
تشرق منه ، وكلاهما يستدعي الزمان 0
ولأنها مخلوقة من مخلوقات الله تعالى ، فإن شأنها شأن غيرها من مخلوقات الله
تعالى كلها تسجد لله عز وجل : ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن
فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ
النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا
يَشَاءُ ﴾ [ الحج 18] ولذلك كان الاستنكار والتقبيح الذي جاء على لسان الهدهد
في قول الله تعالى عن بلقيس وقومها : ﴿ وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن
دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا
يَهْتَدُونَ ﴾ [ النمل 24] ومن ثمة كان نهي الله تعالى عن السجود للشمس أو
للقمر : ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا
لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ﴾ [ فُصّلت 37] 0
تعالى كلها تسجد لله عز وجل : ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن
فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ
النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا
يَشَاءُ ﴾ [ الحج 18] ولذلك كان الاستنكار والتقبيح الذي جاء على لسان الهدهد
في قول الله تعالى عن بلقيس وقومها : ﴿ وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن
دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا
يَهْتَدُونَ ﴾ [ النمل 24] ومن ثمة كان نهي الله تعالى عن السجود للشمس أو
للقمر : ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا
لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ﴾ [ فُصّلت 37] 0
وأما عن الإشارة إلى موقف إبراهيم من الشمس ، والاعتقاد في ربوبيتها كماورد
في سورة الأنعام [ آية 78] فلا يعدو الأمر أن يكون حكاية عن هذا النبي الذي
تفكر وتدبر فيمن يكون إلهه الذي خلقه فبدا له أثناء تفكره أنه هو الكوكب والقمر
والشمس وكلها هاله علوها وضوؤها ؛ ولذا ظن أنها قد تكون إلهه ، بيد أنه لما
وجدها جميعها مأزومة بالأفول أيقن أنها لا يمكن أن تكون ربه خالقه ، فلا يُتخذ
موقف إبراهيم من الكوكب والقمر والشمس على أن ثلاثتها كانت معبودات ؛ لأن
الفِطَر السليمة والعقول المتدبرة قد أدركت انتفاء وصف الربوبية عن مخلوق
يموت أو يأفل ، إلا أن تكون هذه العقول مسوقة خلف الهوى أو الشيطان ، فهي
لا تعقل ولا تفكر ، بل إنها لا تهتدي كما ورد على لسان الهدهد في سورة النمل
0
في سورة الأنعام [ آية 78] فلا يعدو الأمر أن يكون حكاية عن هذا النبي الذي
تفكر وتدبر فيمن يكون إلهه الذي خلقه فبدا له أثناء تفكره أنه هو الكوكب والقمر
والشمس وكلها هاله علوها وضوؤها ؛ ولذا ظن أنها قد تكون إلهه ، بيد أنه لما
وجدها جميعها مأزومة بالأفول أيقن أنها لا يمكن أن تكون ربه خالقه ، فلا يُتخذ
موقف إبراهيم من الكوكب والقمر والشمس على أن ثلاثتها كانت معبودات ؛ لأن
الفِطَر السليمة والعقول المتدبرة قد أدركت انتفاء وصف الربوبية عن مخلوق
يموت أو يأفل ، إلا أن تكون هذه العقول مسوقة خلف الهوى أو الشيطان ، فهي
لا تعقل ولا تفكر ، بل إنها لا تهتدي كما ورد على لسان الهدهد في سورة النمل
0
وبناءً على هذه الدلالات والمواضع التي وردت فيها الشمس في القرآن الكريم
ندرك أنها خلق من مخلوقات الله تعالى ، يجري عليها قضاء الله تعالى وقدره ،
وقد سخرها الله تعالى للإنسان ولغيره من المخلوقات كالحيوان والنبات والجماد ،
وناطها عددًا من الوظائف التي أشرنا إليها ؛ ولذلك فإنه لا وجود لها بعد يوم
القيامة وانقضاء الحساب وتفرق الناس إلى ما أعد الله تعالى لهم من العذاب أو
العقاب ، فالشمس والقمر تكوران يوم القيامة كما تُكور العمامة لقوله تعالى : ﴿
إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ ﴾ [ التكوير 1] ويجمعان ويُذهب الله تعالى ضوءها كما يُذهب
ضوء القمر ، قال الله تعالى : ﴿ وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ ﴾ [ القيامة 9] ولذلك فإن
أهل الجنة : ﴿ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْساً وَلَا زَمْهَرِيراً ﴾ [ الإنسان 13] 0
ندرك أنها خلق من مخلوقات الله تعالى ، يجري عليها قضاء الله تعالى وقدره ،
وقد سخرها الله تعالى للإنسان ولغيره من المخلوقات كالحيوان والنبات والجماد ،
وناطها عددًا من الوظائف التي أشرنا إليها ؛ ولذلك فإنه لا وجود لها بعد يوم
القيامة وانقضاء الحساب وتفرق الناس إلى ما أعد الله تعالى لهم من العذاب أو
العقاب ، فالشمس والقمر تكوران يوم القيامة كما تُكور العمامة لقوله تعالى : ﴿
إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ ﴾ [ التكوير 1] ويجمعان ويُذهب الله تعالى ضوءها كما يُذهب
ضوء القمر ، قال الله تعالى : ﴿ وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ ﴾ [ القيامة 9] ولذلك فإن
أهل الجنة : ﴿ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْساً وَلَا زَمْهَرِيراً ﴾ [ الإنسان 13] 0
ولم تختلف دلالات الشمس في الحديث النبوي الشريف عنها في القرآن الكريم ،
فإن الشمس والقمر ـ كما ورد في الحديث ـ آيتان من آيات الله عز وجل ، ولذلك
فإنهما " لا ينكَسِفَانِ لِموْتِ أَحدٍ من الناس ، فإذا رأيتموهما فصلوا وادعوا حتى
يُكشف ما بكم " () وهي تسجد لله تعالى كما تسجد المخلوقات جميعها ، فقد ورد
في الحديث الذي غربت فيه الشمس ، وسأل النبي صلى الله عليه وسلم أبا ذرّ
الغفاري عن مكان ذهابها ، ثم أجابه النبي صلى الله عليه وسلم قائلاً : " فإنها تذهب
حتى تسجد تحت العرش ، فتستأذن فيؤذن لها ، ويوشك أن تسجد فلايُقبل منها
، وتستأذن فلا يؤذن لها ، فيُقال لها : ارجعي من حيث جئت ، فتطلع من
مغربها ، فذلك قوله تعالى : ﴿ وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ
الْعَلِيمِ ﴾ [ يس 38] " () وهو تحت كرسي عرش الرحمن سبحانه وتعالى 0
فإن الشمس والقمر ـ كما ورد في الحديث ـ آيتان من آيات الله عز وجل ، ولذلك
فإنهما " لا ينكَسِفَانِ لِموْتِ أَحدٍ من الناس ، فإذا رأيتموهما فصلوا وادعوا حتى
يُكشف ما بكم " () وهي تسجد لله تعالى كما تسجد المخلوقات جميعها ، فقد ورد
في الحديث الذي غربت فيه الشمس ، وسأل النبي صلى الله عليه وسلم أبا ذرّ
الغفاري عن مكان ذهابها ، ثم أجابه النبي صلى الله عليه وسلم قائلاً : " فإنها تذهب
حتى تسجد تحت العرش ، فتستأذن فيؤذن لها ، ويوشك أن تسجد فلايُقبل منها
، وتستأذن فلا يؤذن لها ، فيُقال لها : ارجعي من حيث جئت ، فتطلع من
مغربها ، فذلك قوله تعالى : ﴿ وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ
الْعَلِيمِ ﴾ [ يس 38] " () وهو تحت كرسي عرش الرحمن سبحانه وتعالى 0
ولكل ذلك لا تستحق الشمسأن يُسجد لها ، أو أن تُعبد من دون اللهتبارك وتعالى
؛ لأنها مخلوقة ، والمخلوق لا يُعبد ، ولأنها لا حول لها ولا قوة ، فهي مأمورة
منفذة أوامر ربها تبارك وتعالى ، ويجمعها الله تعالى يوم القيامة مع القمر
ويكورهما كما ورد في الآيات الكريمة ، وورد في ذلك قوله صلى الله عليه
وسلم : " الشمسُ والقَمَرُ مُكَوّران يوم القيامة " () 0
؛ لأنها مخلوقة ، والمخلوق لا يُعبد ، ولأنها لا حول لها ولا قوة ، فهي مأمورة
منفذة أوامر ربها تبارك وتعالى ، ويجمعها الله تعالى يوم القيامة مع القمر
ويكورهما كما ورد في الآيات الكريمة ، وورد في ذلك قوله صلى الله عليه
وسلم : " الشمسُ والقَمَرُ مُكَوّران يوم القيامة " () 0
وكما وردت الشمس في القرآن الكريم دالة الوقت، فإنها وردت كذلك في الحديث
النبوي ، فقد روي عن السيدة عائشة رضي الله عنها : " أنّ رسول الله صلى الله
عليه وسلم كان يصلي العصر والشمس في حجرتها قبل أن تظهر " () وروي
عن أنس بن مالك رضي الله عنه : " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج
حين زاغت الشمس فصلى الظهر " () وزوغان الشمس مراده هنا انحرافها عن
كبد السماء 0 وعلى هذا النحو تبدو الشمس في القرآن الكريم والحديث النبوي
مخلوقة لا تملك من أمر نفسها شيئًا، بل هي مسيرة بأمر الله تعالى مأمورة لتنفيذ
ما أمرها الله تعالى مما يتعلق بشئون الخلق 0
النبوي ، فقد روي عن السيدة عائشة رضي الله عنها : " أنّ رسول الله صلى الله
عليه وسلم كان يصلي العصر والشمس في حجرتها قبل أن تظهر " () وروي
عن أنس بن مالك رضي الله عنه : " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج
حين زاغت الشمس فصلى الظهر " () وزوغان الشمس مراده هنا انحرافها عن
كبد السماء 0 وعلى هذا النحو تبدو الشمس في القرآن الكريم والحديث النبوي
مخلوقة لا تملك من أمر نفسها شيئًا، بل هي مسيرة بأمر الله تعالى مأمورة لتنفيذ
ما أمرها الله تعالى مما يتعلق بشئون الخلق 0
1ـ 3 الرجل / المرأة :
ارتبطا كلاهما بالجذر اللغوي شمس وبدت الدلالات الخاصة بكل منهما متناقضة
، ففي حين بدا الرجل إيجابيًّا يحمي أهله وعرضه ، قويًّا صعبًا شديد العداوة ،
إلى جانب صفة البخل التي ربما لا تبتعد عما سبقها من صفات خاصة به ، بدت
المرأة سلبية نافرة من الريبة ، لا تطالع الرجال ولا تُطمعهم ، وربما أيَّدت هذه
الصفات السلبية تلك النظرة العدوانية للمرأة في المجتمع العربي قبل الإسلام ،
وذلك فيما عُرِف من وأد البنات والتشاؤم من ولادتهن فيماحكاهالقرآن الكريم : ﴿
وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ 0 يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ
سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّه فِي التُّرَابِ أَلاَ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴾
[ سورة النحل 58- 59] والنكير هنا على مَنْ كان يَئِدُ البناتِ مِنَ العرب ؛ إذ لم
يكن العرب جميعهم يفعلون ذلك ، ولعل في لفظة أحدهم ما يؤكد ذلك ، وقد قال
قتادة : " كان مضرُ وخُزاعةُ يدفِنُون البناتِ أحياءً ، وأشدُّهُمْ في هذا تميم "
() التي انتشر فيها وأد البنات أو اشتهر بسبب ما فعله النعمان بن المنذر من أخذ
نسائهم سبايا ، وتفضيل ابنة قيس بن عاصم شيخ بني تميم البقاء مع سابيها على
العودة مع أبيها ، مما دفعه إلى وأد بناته غيرها ، وتابعته في ذلك بنو
تميم () ومما يؤكد ذلك أيضًا قول الفرزدق مفتخرًا [ متقارب ] () :
، ففي حين بدا الرجل إيجابيًّا يحمي أهله وعرضه ، قويًّا صعبًا شديد العداوة ،
إلى جانب صفة البخل التي ربما لا تبتعد عما سبقها من صفات خاصة به ، بدت
المرأة سلبية نافرة من الريبة ، لا تطالع الرجال ولا تُطمعهم ، وربما أيَّدت هذه
الصفات السلبية تلك النظرة العدوانية للمرأة في المجتمع العربي قبل الإسلام ،
وذلك فيما عُرِف من وأد البنات والتشاؤم من ولادتهن فيماحكاهالقرآن الكريم : ﴿
وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ 0 يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ
سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّه فِي التُّرَابِ أَلاَ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴾
[ سورة النحل 58- 59] والنكير هنا على مَنْ كان يَئِدُ البناتِ مِنَ العرب ؛ إذ لم
يكن العرب جميعهم يفعلون ذلك ، ولعل في لفظة أحدهم ما يؤكد ذلك ، وقد قال
قتادة : " كان مضرُ وخُزاعةُ يدفِنُون البناتِ أحياءً ، وأشدُّهُمْ في هذا تميم "
() التي انتشر فيها وأد البنات أو اشتهر بسبب ما فعله النعمان بن المنذر من أخذ
نسائهم سبايا ، وتفضيل ابنة قيس بن عاصم شيخ بني تميم البقاء مع سابيها على
العودة مع أبيها ، مما دفعه إلى وأد بناته غيرها ، وتابعته في ذلك بنو
تميم () ومما يؤكد ذلك أيضًا قول الفرزدق مفتخرًا [ متقارب ] () :
وَمِنَّا الَّذِي مَنَعَ الْوَائِدَا
| ||
تِ وَأَحْيَا الْوَئِيـدَ فَلَـمْ يُــــوأَدِ
| ||
والتبعيض هنا ـ فيمن كانوا يئدون الأنثى ـ مُعَلَّلٌ بما وصلت إليه المرأة العربية
في العصر الجاهلي من التقديس بدرجة كبيرة بدت في تَعَبُّدِها من قِبَل بعض
القبائل العربية قبل مجيء الإسلام " وعلى الرغم من قلة ما بين أيدينا من أخبار
عن تقديس المرأة في العصر الجاهلي ، فإن في هذا القليل ما يكفي لإلقاء بعض
الضوء على هذه العبادة ، فتقديس الكاهنات دليل على ذلك " () ومما يؤكده ما
جاء في سرية خالد بن الوليد إلى العُزَّى ليهدمها وكان ذلك في شهر رمضان من
السنة الثامنة للهجرة ، فإن خالدًا لما هدم صنم العُزَّى ورجع إلى النبي صلى الله
عليه وسلم ، وحاوره فيما فعل ، أمره بالرجوع إليها لأنه لم يهدمها ، ولما رجع
خالد إليها خرجت له امرأة عريانة سوداء ثائرة الرأس ، وسادنها يصيح بها غير
أن خالدًا ضربها بسيفه وقتلها ، ولما رجع إلى النبي صلى الله عليه
وسلم " فأخبره ، فقال : نعم ، تلك العُزَّى ، وقديَئِسَتْ أنْ تُعبَدَ ببلادكم أبدًا " () 0
في العصر الجاهلي من التقديس بدرجة كبيرة بدت في تَعَبُّدِها من قِبَل بعض
القبائل العربية قبل مجيء الإسلام " وعلى الرغم من قلة ما بين أيدينا من أخبار
عن تقديس المرأة في العصر الجاهلي ، فإن في هذا القليل ما يكفي لإلقاء بعض
الضوء على هذه العبادة ، فتقديس الكاهنات دليل على ذلك " () ومما يؤكده ما
جاء في سرية خالد بن الوليد إلى العُزَّى ليهدمها وكان ذلك في شهر رمضان من
السنة الثامنة للهجرة ، فإن خالدًا لما هدم صنم العُزَّى ورجع إلى النبي صلى الله
عليه وسلم ، وحاوره فيما فعل ، أمره بالرجوع إليها لأنه لم يهدمها ، ولما رجع
خالد إليها خرجت له امرأة عريانة سوداء ثائرة الرأس ، وسادنها يصيح بها غير
أن خالدًا ضربها بسيفه وقتلها ، ولما رجع إلى النبي صلى الله عليه
وسلم " فأخبره ، فقال : نعم ، تلك العُزَّى ، وقديَئِسَتْ أنْ تُعبَدَ ببلادكم أبدًا " () 0
وبالرغم من صحة الخبر المروي عن العزى ، وعبادة العرب لها كما حكى
القرآن الكريم في قول الله تعالى : ﴿ أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى ﴾ [ سورة
النجم 19] وكذلك في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم ، وما فيها من إشارة
واضحة إلى عبادة العُزَّى وكاهنتها التي قتلها خالد بن الوليد ، فإن مِنَ الباحثين
مَنْ يذهب إلى أن العرب " كانوا يرهبون الكُهَّانَ ـ رجالاً ونساءً لا نساءَ فقط ـ
ويعملون لهم حسابًا كبيرًا ، لكن ذلك لم يكن عبادة لهم ، بل خوفًا منهم ؛
لاعتقادهم أنهم متصلون بالجِنِّ والشياطين ، وأنهم يعلمون الغيب " () ورغم أن
مثل هذا الكلام يدعم ما نحن بسبيله ، إلا أننا لا نقبل نفيه ما أُثِرعن عبادة العرب
للعزى الصنم أو الكاهنة رغم وجاهة تعليل النفي ؛ لأن النصوص الدينية
الإسلامية صريحة الدلالة على تلك العبادة قال الله عز وجل : ﴿ وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ
آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا ﴾ [ نوح 23] وتلك
الأسماءهي بعض أسماء الأصنام التي كان العرب قبل الإسلام يعبدونها من دون
الله عز وجلّ 0
القرآن الكريم في قول الله تعالى : ﴿ أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى ﴾ [ سورة
النجم 19] وكذلك في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم ، وما فيها من إشارة
واضحة إلى عبادة العُزَّى وكاهنتها التي قتلها خالد بن الوليد ، فإن مِنَ الباحثين
مَنْ يذهب إلى أن العرب " كانوا يرهبون الكُهَّانَ ـ رجالاً ونساءً لا نساءَ فقط ـ
ويعملون لهم حسابًا كبيرًا ، لكن ذلك لم يكن عبادة لهم ، بل خوفًا منهم ؛
لاعتقادهم أنهم متصلون بالجِنِّ والشياطين ، وأنهم يعلمون الغيب " () ورغم أن
مثل هذا الكلام يدعم ما نحن بسبيله ، إلا أننا لا نقبل نفيه ما أُثِرعن عبادة العرب
للعزى الصنم أو الكاهنة رغم وجاهة تعليل النفي ؛ لأن النصوص الدينية
الإسلامية صريحة الدلالة على تلك العبادة قال الله عز وجل : ﴿ وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ
آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا ﴾ [ نوح 23] وتلك
الأسماءهي بعض أسماء الأصنام التي كان العرب قبل الإسلام يعبدونها من دون
الله عز وجلّ 0
ومما يدل على تقديس العرب للمرأة وعبادتها أن عددًا كبيرًا من أصنام العرب في
الجاهلية كانت تسمى بأسماء إناث ، مثل : السجة والعزى واللات ومناة ، وقد
ورد ذكر هذه الثلاثة الأخيرة في القرآن الكريم ، وذلك قوله عز وجل : ﴿ أَفَرَأَيْتُمُ
الَّلاتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى ﴾[ النجم 19 - 20] وبعضها يشير إلى
كيفية بدء عبادتها من مثل ما ذكره ابن الكلبي عن قصة الصنميْنِ : إساف ونائلة ،
حيث إنهما كانا من قبيلة جرهم ، وكان إساف يتعشق نائلة ، وحدث أن حجا
الكعبة ، ولما وجدا غفلة من الناس حولهم ، وخلوة في البيت الحرام ، ففجر بها
إساف في البيت ، فمُسِخَا فلما أصبح الناس وجدوهما مِسْخَيْن ، فأخرجوهما
ووضعوهما موضعهما من البيت ، فعبدتهما خزاعة وقريش، ومَنْ حجَّ البيت بعدُ
من العرب () ومثلما كانت نائلة أنثى كان إساف رجلاً ، وقد عُبِدا معًا في رواية
ابن الكلبي التي يؤكد مضمونها " أن الجاهلي قد قدَّسَ الإنسان وعظَّمَه وعبده "
() بيد أن العبادة هنا في شأن إساف ونائلة إنما كانت لصنمين من الأصنام
المنصوبة في أماكن مخصوصة ، ولكن أن يُعبد الإنسان ، فإنما كان تقديسًا
وتعظيمًا على نحو ما كانوا يفعلون مع شيوخ قبائلهم 0
الجاهلية كانت تسمى بأسماء إناث ، مثل : السجة والعزى واللات ومناة ، وقد
ورد ذكر هذه الثلاثة الأخيرة في القرآن الكريم ، وذلك قوله عز وجل : ﴿ أَفَرَأَيْتُمُ
الَّلاتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى ﴾[ النجم 19 - 20] وبعضها يشير إلى
كيفية بدء عبادتها من مثل ما ذكره ابن الكلبي عن قصة الصنميْنِ : إساف ونائلة ،
حيث إنهما كانا من قبيلة جرهم ، وكان إساف يتعشق نائلة ، وحدث أن حجا
الكعبة ، ولما وجدا غفلة من الناس حولهم ، وخلوة في البيت الحرام ، ففجر بها
إساف في البيت ، فمُسِخَا فلما أصبح الناس وجدوهما مِسْخَيْن ، فأخرجوهما
ووضعوهما موضعهما من البيت ، فعبدتهما خزاعة وقريش، ومَنْ حجَّ البيت بعدُ
من العرب () ومثلما كانت نائلة أنثى كان إساف رجلاً ، وقد عُبِدا معًا في رواية
ابن الكلبي التي يؤكد مضمونها " أن الجاهلي قد قدَّسَ الإنسان وعظَّمَه وعبده "
() بيد أن العبادة هنا في شأن إساف ونائلة إنما كانت لصنمين من الأصنام
المنصوبة في أماكن مخصوصة ، ولكن أن يُعبد الإنسان ، فإنما كان تقديسًا
وتعظيمًا على نحو ما كانوا يفعلون مع شيوخ قبائلهم 0
وقد كان العرب القدامى " يُعظِّمون الأمراء والرؤساء تعظيم العبادة ، وليس أدل
على ذلك من الحجّ إليهم ، وتعظيم أماكنهم وآثارهم ، وقد حجت العرب عصابة ـ
ما يُعصَبُ به الرأسُ ـ الزبرقان بن بدر " () وذكر الخطيب البغدادي في خزانته :
" أن بني سعد زيد بن مناة كانوا يحجون عصابته إذا استهلوا رجبًا في الجاهلية ؛
إجلالاً له وإعظامًا لقدره " () وجاء في كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني أنه
لما مات عامر بن الطفيل بعد مُنصَرفه عن النبي صلى الله عليه وسلم ، نصبتْ
عليه بنو عامر أنصابًا شغلت مساحة واسعة " حِمًى على قبره ، لا تُنشَر فيه
ماشية ولا يُرعَى ، ولا يسلُكُه
راكب ولا ماشٍ " () 0
على ذلك من الحجّ إليهم ، وتعظيم أماكنهم وآثارهم ، وقد حجت العرب عصابة ـ
ما يُعصَبُ به الرأسُ ـ الزبرقان بن بدر " () وذكر الخطيب البغدادي في خزانته :
" أن بني سعد زيد بن مناة كانوا يحجون عصابته إذا استهلوا رجبًا في الجاهلية ؛
إجلالاً له وإعظامًا لقدره " () وجاء في كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني أنه
لما مات عامر بن الطفيل بعد مُنصَرفه عن النبي صلى الله عليه وسلم ، نصبتْ
عليه بنو عامر أنصابًا شغلت مساحة واسعة " حِمًى على قبره ، لا تُنشَر فيه
ماشية ولا يُرعَى ، ولا يسلُكُه
راكب ولا ماشٍ " () 0
وهذا التقديس للرجل والمرأة مما رأيناه فيما سبق من قصة مسخ إساف ونائلة
يؤكد على أن ما فعلاه " منذ القِدَمِ كان رسمًا من رسوم الخصوبة وطقوسها "
() ومن ثمة فكرة الأمومة التي انشغل العرب بها خاصة في ناحية المرأة التي
كانوا يرونها السبب في الخصوبة والأمومة ومن ثمة كانت صفات البدانة
والطول وغيرها من الصفات التي ربما أهلتها لذلك " ولعل هذا هو سر اتجاههم
إلى الشمس وهي أظهر ما في حياة الصحراء خالعين عليها صفة الأمومة ،
فاعتبروها الربة والإلهة الأم ، ولعل هذا هو سر تأنيث الشمس في اللغة العربية
على عكس اللغات التي ربطته بإله ذكر " () ومن ثمة كانت عبادتهم للمرأة
خاصة في المراحل البدائية الطوطمية التي كان "مرجع النسب عندهم إلى الأم "
() وربما بدا ذلك بصورة أو بأخرى في نسبة كثير من الشعراء الجاهليين إلى
أمهاتهم ،وذلك ما يبدو في كتاب من نسب إلى أمه من الشعراء 0
يؤكد على أن ما فعلاه " منذ القِدَمِ كان رسمًا من رسوم الخصوبة وطقوسها "
() ومن ثمة فكرة الأمومة التي انشغل العرب بها خاصة في ناحية المرأة التي
كانوا يرونها السبب في الخصوبة والأمومة ومن ثمة كانت صفات البدانة
والطول وغيرها من الصفات التي ربما أهلتها لذلك " ولعل هذا هو سر اتجاههم
إلى الشمس وهي أظهر ما في حياة الصحراء خالعين عليها صفة الأمومة ،
فاعتبروها الربة والإلهة الأم ، ولعل هذا هو سر تأنيث الشمس في اللغة العربية
على عكس اللغات التي ربطته بإله ذكر " () ومن ثمة كانت عبادتهم للمرأة
خاصة في المراحل البدائية الطوطمية التي كان "مرجع النسب عندهم إلى الأم "
() وربما بدا ذلك بصورة أو بأخرى في نسبة كثير من الشعراء الجاهليين إلى
أمهاتهم ،وذلك ما يبدو في كتاب من نسب إلى أمه من الشعراء 0
لقد " ارتبطت المرأة عند الجاهليين القدماء بنوعٍ من العبادة الغامضة التي ترمز
إلى تقديس الخصوبة والنماء ،وقد ظلت هذه القداسة حتى قُبيْلَ الإسلام "
() وعندما أدرك العقل البشري دور الرجل في الإخصاب ، أخذ يشارك المرأة
في عملية التقديس والعبادة التي رأيناها فيما سبق من القصص الدائر حول إساف
ونائلة وعامر بن الطفيل والزبرقان بن بدر، ومع ذلك ظل دورالمرأة وقدسيتها
من الأمور التي أُثرَت عن العرب الجاهليين، وذلك فيما تركوه من الشعر العربي
الذي أثبت " أن الشاعر يملك القدرة الجبارة على تشكيل الصورة الشعرية من
فتات التصور القديم للوجود الأول " () فكانت صورة المرأة عنده مرتبطة بهذه
المرجعية الميثودينية في نظرتها للمرأة والرجل والشمس والقمر اللذين عبدهما
العرب في جاهليتهم مع ما عبدوا مما دعوه آلهة معبودة فقد تكرر تشبيه المرأة
في الشعر الجاهلي " بالدمية والشمس والمهاة والغزالة " () بصورة تدعو إلى
التفكير في اطَّراد مثل هذه الأمور ، وإرجاعها إلى التفسير الميثولوجي أو
الميثوديني الذي يستدعي العقائد العربية القديمة إلى سياقات التفسير 0
إلى تقديس الخصوبة والنماء ،وقد ظلت هذه القداسة حتى قُبيْلَ الإسلام "
() وعندما أدرك العقل البشري دور الرجل في الإخصاب ، أخذ يشارك المرأة
في عملية التقديس والعبادة التي رأيناها فيما سبق من القصص الدائر حول إساف
ونائلة وعامر بن الطفيل والزبرقان بن بدر، ومع ذلك ظل دورالمرأة وقدسيتها
من الأمور التي أُثرَت عن العرب الجاهليين، وذلك فيما تركوه من الشعر العربي
الذي أثبت " أن الشاعر يملك القدرة الجبارة على تشكيل الصورة الشعرية من
فتات التصور القديم للوجود الأول " () فكانت صورة المرأة عنده مرتبطة بهذه
المرجعية الميثودينية في نظرتها للمرأة والرجل والشمس والقمر اللذين عبدهما
العرب في جاهليتهم مع ما عبدوا مما دعوه آلهة معبودة فقد تكرر تشبيه المرأة
في الشعر الجاهلي " بالدمية والشمس والمهاة والغزالة " () بصورة تدعو إلى
التفكير في اطَّراد مثل هذه الأمور ، وإرجاعها إلى التفسير الميثولوجي أو
الميثوديني الذي يستدعي العقائد العربية القديمة إلى سياقات التفسير 0
ويكثر في الشعر الجاهلي تصوير أعضاء جسد المرأة خاصة في سياقات الغزل
الحسي الذي يخال فيه المتلقي أن الشاعر إنما يرسم صورة ، أو يصوغ دُمية ،
نستطيع من النظر إليها أن ندرك الإلحاح على فكرة الخصوبة في المرأة ، يقول
قيس بن الخطيم في صاحبته عمرة [ متقارب ] () :
الحسي الذي يخال فيه المتلقي أن الشاعر إنما يرسم صورة ، أو يصوغ دُمية ،
نستطيع من النظر إليها أن ندرك الإلحاح على فكرة الخصوبة في المرأة ، يقول
قيس بن الخطيم في صاحبته عمرة [ متقارب ] () :
نَمَتْهَا الْيَهُودُ إِلَى قُبَّةٍ
|
دُوَيْنَ السَّمَاءِ بِمِحْرَابِهَا
|
إن الصورة التي يرسمها الشاعر لعمرة هنا ليست مقدسة عند الشاعر وحده ، أو
غيره من الشعراء العرب ، وإنما قدسها اليهود وهو ما يظهر في دور عباداتهم
عندما رفعوها على المحراب دون قُبَّة السماء " إن عمرة هنا قد أضحت معبودة
يهودية يرفعونها إلى قُبَّة السماء ، ويحيطونها بمحرابٍ مقدسٍ ، ولا غرابة إذنْ
في أن تكون لها هذه القوة الأسطورية ، قوة إخصاب الأرض وامِّحالها "()
والصورة هنا يبدو أنها تتحدث عن الشمس ؛ لأن اليهود " يُصورون في
محاريبهم الشمس لا المرأة، والشمس هي التي يؤدي رحيلها إلى الجدب لا المرأة
" () 0
غيره من الشعراء العرب ، وإنما قدسها اليهود وهو ما يظهر في دور عباداتهم
عندما رفعوها على المحراب دون قُبَّة السماء " إن عمرة هنا قد أضحت معبودة
يهودية يرفعونها إلى قُبَّة السماء ، ويحيطونها بمحرابٍ مقدسٍ ، ولا غرابة إذنْ
في أن تكون لها هذه القوة الأسطورية ، قوة إخصاب الأرض وامِّحالها "()
والصورة هنا يبدو أنها تتحدث عن الشمس ؛ لأن اليهود " يُصورون في
محاريبهم الشمس لا المرأة، والشمس هي التي يؤدي رحيلها إلى الجدب لا المرأة
" () 0
نستبين من مثل هذا التعقيب على بيت قيس بن الخطيم أن ثمة خرابًا وامِّحالاً
وجدبًا يرتبط برحيل المرأة المحبوبة، وغياب الشمس، وهما معبودتان مقدستان
عند العربي القديم ؛ ولذلك فإننا نجد في مدونة الشعر الجاهلي الكثير من الصور
" التي تتحدث عن رحيل المرأة الذي يؤدي إلى خراب الديار وإقفارها، وربطوا
بينها وبين الشمس ، والشمس كانت معبودة ، وكان رحيلها يؤدي إلى إقفار الديار
؛ إذ هي رمز الخصب عند الإنسان " () وعلى ذلك فإن ثمة رابطًا بين المرأة
والشمس ، هذا الرابط في الواقع من بين ملامح القدرة الفنية التي يتمتع بها
الشاعر الجاهلي ، وسعة خياله وقدرته على تشكيل بنية لغوية محمَّلة بالدلالات
الرمزية والإشارية ، تلك الدلالات التي يستطيع المتلقي الناقد الوصول إليها ،
فعندما يقول زهير بن أبي سلمى في معلقته [ طويل ] () :
وجدبًا يرتبط برحيل المرأة المحبوبة، وغياب الشمس، وهما معبودتان مقدستان
عند العربي القديم ؛ ولذلك فإننا نجد في مدونة الشعر الجاهلي الكثير من الصور
" التي تتحدث عن رحيل المرأة الذي يؤدي إلى خراب الديار وإقفارها، وربطوا
بينها وبين الشمس ، والشمس كانت معبودة ، وكان رحيلها يؤدي إلى إقفار الديار
؛ إذ هي رمز الخصب عند الإنسان " () وعلى ذلك فإن ثمة رابطًا بين المرأة
والشمس ، هذا الرابط في الواقع من بين ملامح القدرة الفنية التي يتمتع بها
الشاعر الجاهلي ، وسعة خياله وقدرته على تشكيل بنية لغوية محمَّلة بالدلالات
الرمزية والإشارية ، تلك الدلالات التي يستطيع المتلقي الناقد الوصول إليها ،
فعندما يقول زهير بن أبي سلمى في معلقته [ طويل ] () :
تَبَصَّرْ خَلِيلِي هَلْ تَرَى مِنْ ظَعَائِنٍ
| ||||
تَحَمَّلْنَ بِالْعَلْيَاءِ مِنْ فَوْقِ جُرْثُمِ
| ||||
جَعَلْنَ الْقَنَانَ عَنْ يَمِينٍ وَحَزْنَهُ
| ||||
وَكَمْ بِالْقَنَانِ مِنْ مُحِلٍّ وَمُحْرِمِ
| ||||
عَلَوْنَ بِأَنْمَاطٍ عِتَاقٍ وَكِلَّةٍ
| ||||
وِرَادٍ حَوَاشِيهَا مُشَاكِهَةِ الدَّمِ
| ||||
ظَهَرْنَ مِنَ السُّوبَانِ ثُمَّ جَزَعْنَهُ
| ||||
عَلَى كُلِّ قَيْنِيٍّ قَشِيبٍ وَمُفْأَمِ
| ||||
وَوَرَّكْنَ فِي السُّوبَانِ يَعْلُونَ مَتْنَهُ
| ||||
عَلَيْهِنَّ دَلُّ النَّاعِمِ الْمُتَنَعِّمِ
| ||||
بَكَرْنَ بُكُورًا وَاسْتَحَرْنَ بِسُحْرَةٍ
| ||||
فَهُنَّ وَوَادِي الرَّسِّ كَالْيَدِ لِلْفَمِ
| ||||
وَفِيهِنَّ مَلْهًى لِلَّطِيفِ وَمَنْظَرٌ
| ||||
أَنِيقٌ لِعَيْنِ النَّاظِرِ الْمُتَوَسِّمِ
| ||||
كَأَنَّ فُتَاتَ الْعِهْنِ فِي كُلِّ مَنْزِلٍ
| ||||
نَزَلْنَ بِهِ حَبُّ الْفَنَا لَمْ يُحَطَّمِ
| ||||
فَلَمَّا وَرَدْنَ الْمَاءَ زُرْقًا جِمَامُهُ
| ||||
وَضَعْنَ عِصِيَّ الْحَاضِرِ الْمُتَخَيِّمِ
| ||||
نجد التساؤلات كثيرة حول واقعية هذه الرحلة وراء الكلإِ بعد إقفار المنزل بسبب
رحيل المرأة ، وعن مدى حقيقة حزن الشاعر للفراق في الوقت الذي يسمع فيه
غناء المرتحلات ، ويتشمم عطورهن ، يقول الدكتور أحمد كمال زكي : " إنْ
صحَّ أن تلك رحلة واقعٍ ـ وفيها ما فيها من إشاراتٍ إلى استمرار حياةٍ يمثلها
وجود العِين والآرام وأطلائها حيث كان منزل الحبيبة ـ فكم يكون صعبًا أن
نتصور امرأة جميلة تسافر عن حبيبِها فَرِحةً وهو في حزنه يتغنى بفرحها ؟ إلاّ
أن يكون البديل : أن هذه رحلة الشمس نفسها يوميًّا منذ أن تبرز من خدرها إلى
أن تغيب وراء الأفق في البحر العظيم ، وما أكثر قصص الجاهليين عن الشمس
الغاربة ، وعن رحلة الإنسان وراءها حيث تغيب في عَيْنٍ حَمِئةٍ ، ثم تخرج من
الشرق من جديد "() 0
رحيل المرأة ، وعن مدى حقيقة حزن الشاعر للفراق في الوقت الذي يسمع فيه
غناء المرتحلات ، ويتشمم عطورهن ، يقول الدكتور أحمد كمال زكي : " إنْ
صحَّ أن تلك رحلة واقعٍ ـ وفيها ما فيها من إشاراتٍ إلى استمرار حياةٍ يمثلها
وجود العِين والآرام وأطلائها حيث كان منزل الحبيبة ـ فكم يكون صعبًا أن
نتصور امرأة جميلة تسافر عن حبيبِها فَرِحةً وهو في حزنه يتغنى بفرحها ؟ إلاّ
أن يكون البديل : أن هذه رحلة الشمس نفسها يوميًّا منذ أن تبرز من خدرها إلى
أن تغيب وراء الأفق في البحر العظيم ، وما أكثر قصص الجاهليين عن الشمس
الغاربة ، وعن رحلة الإنسان وراءها حيث تغيب في عَيْنٍ حَمِئةٍ ، ثم تخرج من
الشرق من جديد "() 0
وهذا تحليل قائم على الظن والتخمين ، وإصدار فرضيات هي منفية مسبقًا في
ذهن الناقد الذي ربط بين المرأة المرتحلة والشمس الغاربة هذه التي لا نجد لها
حضورًا في بنية السطح أو بنية العمق ، بيد أن المخيلة النقدية هي التي أفسحت
المجال لمثل هذه التأويلات التي اتكأت في نظرتها النقديةعلى وحدة القصيدة كلها
لا وحدة البيت فيما أُثِرعند النقد العربي القديم ، ووحدة القصيدة تستدعي بلا شك
الربط بين اللوحات التي تشكل بنية القصيدة كلوحة الطلل ولوحة النسيب ، وما
بينهما من علاقة يمكن للناقد إدراكها من خلال استدعاء بنية العمق في النص
الشعري 0
ذهن الناقد الذي ربط بين المرأة المرتحلة والشمس الغاربة هذه التي لا نجد لها
حضورًا في بنية السطح أو بنية العمق ، بيد أن المخيلة النقدية هي التي أفسحت
المجال لمثل هذه التأويلات التي اتكأت في نظرتها النقديةعلى وحدة القصيدة كلها
لا وحدة البيت فيما أُثِرعند النقد العربي القديم ، ووحدة القصيدة تستدعي بلا شك
الربط بين اللوحات التي تشكل بنية القصيدة كلوحة الطلل ولوحة النسيب ، وما
بينهما من علاقة يمكن للناقد إدراكها من خلال استدعاء بنية العمق في النص
الشعري 0
وإذا كانت اللوحة الطللية أول ما يُطالعنا في الكَمِّ الأكبر من الشعر الجاهلي ، فإن
هذه اللوحة تمثل العُنصر الرئيس من عناصر بنية القصيدة الجاهلية ، وهو
عنصر يرتبط بصورة أو بأخرى ببقية العناصر البنائية التي فطن إليها أهل الأدب
القدامى الذين يذكرون ـ في ذلك قول ابن قتيبة ـ " أن مُقَصِّد القصيد إنما ابتدأ
فيها بذكر الديار والدِّمن والآثار ، فبكى وشكا ، وخاطب الربع ، واستوقف الرفيق
، ليجعل ذلك سببًا لذكر أهلها الظاعنين عنها " () ونلحظ من هذا الكلام أن بُكاء
الشاعر وشكواه، إنما بسبب رحيل المحبوبة وظعنها ، في حين أن أصحاب
التفسير الأسطوري يرون غير ذلك، فقد رأوا أن المرأة المرتحلة صاحبة الطلل
هي الشمس ، أو أن الشمس رمز لها ؛ ولذلك " كان الشاعر عند بُكائه في لحظة
شعورية عارمة حجبت عنه كل ما يمكن لعينيه أن ترياه ، وكأن الحياة قد انتهت
أو توقفت ، وعندما أفاق أدرك أن الحياة لابد أن تستمر ، فالإله لابد أنْ لا يغيب
، وإذا غاب عن الأعيُن ، فإن آثاره تدل على وجوده ، وما هذه الآثار إلا
الحيوانات المليئة بالحيوية والنشاط والحركة " () ولم يكن هذا الإله إلا الشمس
المعبودة الرامزة إلى المرأة تلك التي شاع تشبيهها في الشعر الجاهلي "
بالشمس
مباشرة ، أو بما يرمز إلى الشمس كالغزالة والمهاة أيمكن أن تكون المرأة في
الشعر الجاهلي رمزًا للشمس ؟ " () 0
هذه اللوحة تمثل العُنصر الرئيس من عناصر بنية القصيدة الجاهلية ، وهو
عنصر يرتبط بصورة أو بأخرى ببقية العناصر البنائية التي فطن إليها أهل الأدب
القدامى الذين يذكرون ـ في ذلك قول ابن قتيبة ـ " أن مُقَصِّد القصيد إنما ابتدأ
فيها بذكر الديار والدِّمن والآثار ، فبكى وشكا ، وخاطب الربع ، واستوقف الرفيق
، ليجعل ذلك سببًا لذكر أهلها الظاعنين عنها " () ونلحظ من هذا الكلام أن بُكاء
الشاعر وشكواه، إنما بسبب رحيل المحبوبة وظعنها ، في حين أن أصحاب
التفسير الأسطوري يرون غير ذلك، فقد رأوا أن المرأة المرتحلة صاحبة الطلل
هي الشمس ، أو أن الشمس رمز لها ؛ ولذلك " كان الشاعر عند بُكائه في لحظة
شعورية عارمة حجبت عنه كل ما يمكن لعينيه أن ترياه ، وكأن الحياة قد انتهت
أو توقفت ، وعندما أفاق أدرك أن الحياة لابد أن تستمر ، فالإله لابد أنْ لا يغيب
، وإذا غاب عن الأعيُن ، فإن آثاره تدل على وجوده ، وما هذه الآثار إلا
الحيوانات المليئة بالحيوية والنشاط والحركة " () ولم يكن هذا الإله إلا الشمس
المعبودة الرامزة إلى المرأة تلك التي شاع تشبيهها في الشعر الجاهلي "
بالشمس
مباشرة ، أو بما يرمز إلى الشمس كالغزالة والمهاة أيمكن أن تكون المرأة في
الشعر الجاهلي رمزًا للشمس ؟ " () 0
وربما كانت الإجابة على السؤال السابق بالإثبات اتكاءً على ما ذكره نيلسون من
" أن العرب في الجاهلية قد صوروا الشمس إنسانًا ، وهذا الإنسان يمثل حسناء
عارية " () وهذا التصوير يستدعي ما شاع في الشعر الجاهلي من تشبيه للمرأة
بالدمية والتماثيل هذا التشبيه الذي يتمثل به أصحاب التفسير الأسطوري للدلالة
على ما للمرأة الجاهلية من صفات جسدية تؤهلها للخصوبة والإنجاب ، وتجعلها
المرأة المثال أو الدمية أو التمثال ، وهو تشبيه " وثيق الصلة بالدين القديم ، إذ
كانت هذه الدُّمى والتماثيل تُقدَّمُ قرابينَ ونذورًا في معابد الشمس ـ الأم ـ وهي إما
على هيئة امرأة ، أو على شكل حِصان " () وتبدو فيها المرأة على شيء محبب
من السِّمْنة والبدانة ؛ لأنهما من النعم الأمومية المنشودة عند الجاهلي () 0
" أن العرب في الجاهلية قد صوروا الشمس إنسانًا ، وهذا الإنسان يمثل حسناء
عارية " () وهذا التصوير يستدعي ما شاع في الشعر الجاهلي من تشبيه للمرأة
بالدمية والتماثيل هذا التشبيه الذي يتمثل به أصحاب التفسير الأسطوري للدلالة
على ما للمرأة الجاهلية من صفات جسدية تؤهلها للخصوبة والإنجاب ، وتجعلها
المرأة المثال أو الدمية أو التمثال ، وهو تشبيه " وثيق الصلة بالدين القديم ، إذ
كانت هذه الدُّمى والتماثيل تُقدَّمُ قرابينَ ونذورًا في معابد الشمس ـ الأم ـ وهي إما
على هيئة امرأة ، أو على شكل حِصان " () وتبدو فيها المرأة على شيء محبب
من السِّمْنة والبدانة ؛ لأنهما من النعم الأمومية المنشودة عند الجاهلي () 0
وإذا كانت لوحة الطلل التي احتفلت بها مقدمات الكمِّ الأكبر من مقدمات القصائد
الشعرية في العصر الجاهلي ؛ فذلك لأن " فن الأطلال كغيره من فنون الشعر
العربي في العصر الجاهلي ينبع من إلزام اجتماعي " () يقول الدكتور نصرت
عبد الرحمن : " وإذا كان الطلل يرمز إلى ما تُخلّفُهُ رحلة الشمس على الإنسان
وما يتركه بُعدُها على الخصب الإنساني ، فإن رحلة المرأة في الشعر الجاهلي ـ
كما أعتقد ـ هي رحلة الشمس كل يوم ، ورحلتها في الصيف والخريف والشتاء
والربيع " () وما الربط بين رحلة الشمس ورحلة المرأة إلا رواسب أو بقايا
التفسير الميثوديني ، والميثولوجي الذي انبنى على كون المرأة معبودة من
المعبودات العربية القديمة على التفصيل الذي ذكرناه من قبل ، والشمس كانت ـ
كذلك ـ معبودة من المعبودات العربية القديمة ، وهذا ما أكده القرآن الكريم فيما
أثبتنا من آياته الكريمة، فهل كان الشاعر الجاهلي يضع نصب عينيه رحلة المرأة
ويقرنها برحلة معبودته الكبرى ـ الشمس ؟ أم أن هذه الصورة هي مجرد تشبيه
المرأة ـ وهي معبودة كذلك ـ بالشمس ، وهو تشبيه غير موجود أساسًا في لوحة
الرحلة التي ذكرها زهير بن أبي سلمى ، و" هل كانت رحلة الظعائن إحدى هذه
الأساطير التي تفسِّر ظواهر الشمس ؟ أم كانت بقية أسطورة أو أساطير أقدم من
مرحلة ما قبل الإسلام وجودًا " () 0
الشعرية في العصر الجاهلي ؛ فذلك لأن " فن الأطلال كغيره من فنون الشعر
العربي في العصر الجاهلي ينبع من إلزام اجتماعي " () يقول الدكتور نصرت
عبد الرحمن : " وإذا كان الطلل يرمز إلى ما تُخلّفُهُ رحلة الشمس على الإنسان
وما يتركه بُعدُها على الخصب الإنساني ، فإن رحلة المرأة في الشعر الجاهلي ـ
كما أعتقد ـ هي رحلة الشمس كل يوم ، ورحلتها في الصيف والخريف والشتاء
والربيع " () وما الربط بين رحلة الشمس ورحلة المرأة إلا رواسب أو بقايا
التفسير الميثوديني ، والميثولوجي الذي انبنى على كون المرأة معبودة من
المعبودات العربية القديمة على التفصيل الذي ذكرناه من قبل ، والشمس كانت ـ
كذلك ـ معبودة من المعبودات العربية القديمة ، وهذا ما أكده القرآن الكريم فيما
أثبتنا من آياته الكريمة، فهل كان الشاعر الجاهلي يضع نصب عينيه رحلة المرأة
ويقرنها برحلة معبودته الكبرى ـ الشمس ؟ أم أن هذه الصورة هي مجرد تشبيه
المرأة ـ وهي معبودة كذلك ـ بالشمس ، وهو تشبيه غير موجود أساسًا في لوحة
الرحلة التي ذكرها زهير بن أبي سلمى ، و" هل كانت رحلة الظعائن إحدى هذه
الأساطير التي تفسِّر ظواهر الشمس ؟ أم كانت بقية أسطورة أو أساطير أقدم من
مرحلة ما قبل الإسلام وجودًا " () 0
وثمة تساؤل آخر مرتبط بالتفسير الأسطوري لمشهد الرحلة في معلقة زهير
وربطه برحلة الشمس في سبيل الغياب ، فإنه " إن صحَّ أن هذه رحلة الشمس
الإلهة !! فلمَ لا تعود المرأة من رحلتها في اليوم التالي كما تعود الشمس؟! وكيف
يستوي أن رحلة الظعائن لا تستغرق سوى سحابة نهار فقط ؟! وكيف تبدأ
الرحلة مبكرة في السَّحَر ؟ أوَ تطلُعُ الشمس سَحَرًا ؟! " () 0
وربطه برحلة الشمس في سبيل الغياب ، فإنه " إن صحَّ أن هذه رحلة الشمس
الإلهة !! فلمَ لا تعود المرأة من رحلتها في اليوم التالي كما تعود الشمس؟! وكيف
يستوي أن رحلة الظعائن لا تستغرق سوى سحابة نهار فقط ؟! وكيف تبدأ
الرحلة مبكرة في السَّحَر ؟ أوَ تطلُعُ الشمس سَحَرًا ؟! " () 0
وتلك تساؤلات مباحة ـ إن صح التعبير ـ لأن تحليل النص الشعري العربي يسع
التفسير الأسطوري، كما يسع غيره من المناهج التي تعرض له، دون أن يكون
ثمة حكر على هذا المنهج أو ذاك ما دام متوسلاً بمنطقية التحليل التي تجعل النص الشعري مفتوحًا على جميع الاحتمالات ؛ بسبب لغته " التي تُوميء وتُلَوِّح ، وتستند إلى ما يسميه الأسلوبيون الانحرافات الموضعية والمعجمية والدلالية والنحوية والتركيبية والاستبدالية ، لا ينشأ عنها عند القراءة تفسير أحاديٌّ ؛ لأنها تفضي بالضرورة إلى إمكانات واسعة " () 0
التفسير الأسطوري، كما يسع غيره من المناهج التي تعرض له، دون أن يكون
ثمة حكر على هذا المنهج أو ذاك ما دام متوسلاً بمنطقية التحليل التي تجعل النص الشعري مفتوحًا على جميع الاحتمالات ؛ بسبب لغته " التي تُوميء وتُلَوِّح ، وتستند إلى ما يسميه الأسلوبيون الانحرافات الموضعية والمعجمية والدلالية والنحوية والتركيبية والاستبدالية ، لا ينشأ عنها عند القراءة تفسير أحاديٌّ ؛ لأنها تفضي بالضرورة إلى إمكانات واسعة " () 0
وهذا الاتساع هو ما يجعلنا نقول إن النص الشعري مفتوح على كل الاحتمالات ما دامت زوايا الرؤية متعددة تعدُّدَ المناهج النقدية التي تُتَّخذ مداخل لدراسة النص الشعري ، وكل منهج منها يوظف آلياته وإمكاناته الإجرائية في قراءة النص ، ومن ثمة تتخذ النتائج التي يتوصل إليها المشروعية المطلوبة ما دام مرتبطًا بآلياته وإجراءاته ، ومن ثمة فإننا كثيرًا ما نجد التناقض والاختلاف في النتائج المرتبطة بكل منهج من المناهج بسبب اختلاف الآليات الإجرائية في قراءة النص الأدبي ، وإن كانت تلك المناهج جميعها تنطلق من الحقيقة القارَّة في النص الأدبي وهي كونه بنية لغوية مخصوصة خصوصية تدفع إلى القول : إنه " ليس من حق أحدٍ أن يفرض على النص الأدبي قراءةً واحدةً زاعمًا أنها جمعتْ كلَّ ما في النص ، وكلَّ ما يمكن أن يُقال فيه ؛ لأن مثل هذا الاتجاه في النقد الأدبي لا يعني سوى شيءٍ واحدٍ هو موت النص " () وهو ما لم يشهده باحث على شعرنا العربي القديم ؛ إذ لما تزل نصوصه حيةً بين أيدي الدارسين ، كل يدلو بدلوه ، ويقترب منها ويتعامل معها بما لديه من مناهج وإجراءات تؤكد أن تلك النصوص الشعرية مستوعبة لكل المناهج البحثية التي تعرض لها 0
وربما كان ما سبق مخالفًا لما يرومه الباحث من البحث عن جدوى التفسير الأسطوري في دراسة الشعر العربي القديم ، أو على الأقل نفْي تعميم جدواه ، أو تحقيق نتائجه ؛ إذ الذي لا نشك فيه أن المنهج الأسطوري شأنه شأن المناهج الأخرى قد أثرى الدرس الأدبي ؛ إذ كان " يُعنَى من الناحية الإنسانية بأكثر من القيمة الجوهرية للإشباع الجمالي ، ويبدو أقرب إلى علم النفس لتحليله استهواء العمل الأدبي للجمهور 00000 وهو مع ذلك اجتماعي بالنظر لاهتمامه بالأطر الحضارية الرئيسية من حيث أهميتها في استهواء الجمهور ، وهو تاريخي في بحثه عن الماضي الحضاري أو الاجتماعي " () كما أنه وسَّع من آفاق النظر النقدي عندما استعان بالعلوم الأخرى من مثل : الأنثربولوجيا وعلم النفس وعلم الأديان المقارن والتاريخ والفلسفة وعلم اللغة وغيرها من العلوم الإنسانية التي يشير حضورها في المنهج الأسطوري إلى انتقال النقد من الذاتية والانطباعية عند الناقد على أحكامه وتخريجاته النقدية على النصوص المدروسة إلى العلمية " حيث تُعرض الأدلة على محك العلم ، وحيث تُستخدم المصادر الموثوقة السابقة استخدامًا علميًّا ، وحيث تُبحث الموضوعات بحثًا علميًّا ، وحيث تُحقق النصوص تحقيقًا علميًّا " () ومن ثمة تتخذ النتائج المطروحة المشروعية العقلية التي يتقبلها المتلقي برحابة صدر وراحة نفس 0
وفي هذا السياق سوف نبحث عن سياقات توظيف الشمس في الشعر الأموي ، لننظر في آلية توظيفها بين الدلالة الأسطورية والدينية ، أو الدلالة التصويرية البحتة التي تتخذ من طبيعة الشمس أوجهًا للتشبيه ، وهذا ما يبدو جليًّا في سياق المرأة التي رأينا التأويل الأسطوري لدى نقاده يمثل حضورًا واضحًا في ربط صورة المرأة بالشمس من خلال الفكر الميثولوجي خاصة مع الشعر الجاهلي ، والأمر كذلك في سياق المدح وغيره من السياقات الشعرية ، ولكن ترى : هل مثل هذا التأويل الأسطوري لصورة الشمس يمكن أن يمثل الحضور نفسه في الشعر الأموي ؟! هذا ما نحاول الإجابة عنه فيما يلي :
الفصل الثاني
سياقات الشمس
في الشعر الأموي
|
2ـ 1 ـ سياق الغزل :
أظهر التأويل الأسطوري للشعر الجاهلي المرأة معبودة مقدسة عند الجاهليين ، عندما ربط الميثولوجيون بين المرأة والشمس وأسقطوا مناحي الفكر الأسطوري والميثوديني على الشمس التي بدت صورة وصدًى للمرأة الدُّمْية والغزالة والمهاة ، وربما أجدى مثل هذا التأويل مع الشاعر الجاهلي نفعًا حيث عقليته المتأثرة بما في الصحراء من وضوح وقلة ما فيها من ألغاز ، فجاءت أفكاره بسيطة لا تعقيد فيها ؛ لأنه لم يتعود التعقيد في حياته ، ولم يستعمل الرموز ؛ لأن حياته كلها صراحة " وأكثر التشبيهات الجاهلية تقوم على أساس ملاحظة صلة مادية أو معنوية بين المشبَّه والمشبَّه به " () ومن ثمة كانت التأويلات الأسطورية والرمزية والدينية تأويلات نقدية أضفتها الثقافة الواسعة للنقاد على النص الشعري الجاهلي مما زاده ثراءً ، وفتح باب التهويم العقلي أمام المتلقي المنبهر بما أتى به التأويل الأسطوري من فكر لاشك أنه ساعد على سعة التلقي أمام المتلقي 0
وعندما نجيء إلى الشعر الأموي نجد هذا التطور والتجديد الذي طبع الحياة العربية الجديدة نتيجة الاختلاط الحضاري والثقافي والاجتماعي بالأمم الأخرى التي رفرفت رايات الإسلام عليها ، وتركت ـ بما لا شك فيه ـ تأثيرًا كبيرًا على العربي الذي تطور هو الآخر مع تطور الحياة وتجددها ، واختلف عقله وتفكيره عن عقل العربي في العصر الجاهلي الذي كان يعيش حياة ساذجة بسيطة بعيدة من التعقيد والغموض ، وكانت عقليته ومخيلته على هذا القدر من البساطة والسذاجة " أما عربيُّ العصر الأموي ، فكان يعيش في حياة معقدة ، عقَّدتها الحضارات الفارسية والإغريقية والرومانية التي غزا أهلها واستعمرهم سياسيًّا ، وغزوه واستعمروه حضاريًّا وثقافيًّا ، وقد أخذ يفكِّر في الأشياء ويطيل التفكير ، بل أخذ يحترف التفكير احترافًا في كل شئون حياته من سياسة واقتصاد " () وهذا أمر موافق لسنن الحياة البشرية وتطورها خاصة وأن الإنسان مؤثر ومتأثر بكل ما حوله من الظروف الاجتماعية والحضارية والثقافية ، ومن ثمة كان العربي في العصر الأموي أوسع فكرًا وأنضج ثقافة منه في العصر الجاهلي 0
ورغم تلك الميزات الجديدة التي تميز بها العربي فيما بعد الإسلام ، وجدنا الشعراء الأمويين يحافظون على الكثير من السمات الفنية والإبداعية للشعر العربي الموروث عن العصر الجاهلي ، وهذا ما يمكن التماحه في قول ذي الرمة [ بسيط ] :
غَرَّاءُ آنِسَةٌ تَبْدُو بِمَعْقُلَةٍ
| |||
إِلَى سُوَيْقَةَ حَتَّى تَحْضُرَ الْحَفَرَا
| |||
تَشْتُو إِلَى عُجْمَةِ الدَّهْنَا وَمَرْبَعُهَا
| |||
رَوْضٌ يُنَاصِي أَعَالِي مِيثِهِ الْعُقُرَا
| |||
حَتَّى إِذَا هَزَّتِ الْبُهْمَى ذَوَائِبَهَا
| |||
فِي كُلِّ يَوْمٍ يُشَهِّي الْبَادِيَ الْحَضَرَا
| |||
وَزَفْزَفَتْ لِلزُّبَانَى مِنْ بَوَارِحِهَا
| |||
هَيْفٌ أَنَشَّتْ بِهِ الأَصْنَاعَ وَالْخَبَرَا
| |||
رَدُّوا لأَحْدَاجِهِمْ بُزْلاً مُخَيَّسَةً
| |||
قَدْ هَرْمَلَ الصَّيْفُ عَنْ أَكْتَافِهَا الْوَبَرَا
| |||
تَقْرِي الْعَلاَبِيَّ مُصْفَرَّ الْعَصِيمِ إِذَا
| |||
جَفَّتْ أَخَادِيدُهُ جَوْنًا إِذَا انْعَصَرَا
| |||
كَأَنَّهُ فُلْفُلٌ جَعْدٌ يُدَحْرِجُهُ
| |||
نَضْحُ الذَّفَارَى إِذَا جَوْلاَنُهُ انْحَدَرَا
| |||
شَافُوا عَلَيْهِنَّ أَنْمَاطًا شَآمِيَةً
| |||
عَلَى قَنًا أَلْجَأَتْ أَظْلاَلُهُ الْبَقَرَا
| |||
أَشْبَهْنَهُ النَّظْرَةَ الأُولَى وَبَهْجَتَهَا
| |||
وَهُنَّ أَحْسَنُ مِنْهُ بَعْدَمَا صُوَرَا
| |||
مِنْ كُلِّ عَجْزَاءَ فِي أَحْشَائِهَا هَضَمٌ
| |||
كَأَنَّ حَلْيَ شَوَاهَا أُلْبِسَ الْعُشَرَا
| |||
لَمْيَاءُ فِي شَفَتَيْهَا حُوَّةٌ لَعَسٌ
| |||
كَالشَّمْسِ لَمَّا بَدَتْ أَوْ تُشْبِهُ الْقَمَرَا
| |||
حُسَّانَةُ الْجِيدِ تَجْلُو كُلَّمَا ابْتَسَمَتْ
| |||
عَنْ مَنْطِقٍ لَمْ يَكُنْ عِيًّا وَلاَ هَذَرَا
| |||
عَنْ وَاضِحٍ ثَغْرُهُ حُمٍّ مَرَاكِزُهُ
| |||
كَالأُقْحُوَانِ زَهَتْ أَحْقَافُهُ الزَّهَرَا()
| |||
إن أول ما يلفت النظر في هذه اللوحة التي يرسمها لمحبوبته ميّ وصويحباتها هو كثرة الأماكن التي يتنقلن بينها فهناك تجد : معقلة وسويقة والحفر و مربعها روض وهو مكان يستنقع فيه الماء ، والعقر وهي رمال لا نبت فيها ، والدهناء وهي موضع ببني تميم ، والخلصاء : بلد بالدهناء بها عين ماء ، ومما يسم هذه الأماكن أمران أولهما وجود الماء الذي لا غنًى عنه لسالك الصحراء ، فهنّ يمررنَ بهذه الأماكن حتى يأخذن من الماء ما يكفي حاجتهن في هذه الرحلة ، وثانيهما الرمال التي تستدعي انتفاء المياه ، ومن ثمة الإحساس بالعطش ، ومن ثمة أيضًا كانت الأماكن المحتوية للماء ؛ لكي يتغلب به على العطش ، كما تستدعي الرمال اللون الأصفر باستدعائه لون الشمس عند الحر أو البياض الذي يستدعيه وصف ميّ بأنها غراء أيْ بيضاء حين ينفسخ الحر من معقلة إلى سويقة () ووصف المرأة بأتها غراء آنسة مؤنسة ليست بنفور من الأوصاف الشائعة في الشعر الجاهلي 0
ثم تأتي الصور التشبيهية التي يصور المرأة بها ، فهو يشبه النساء بما فيهنّ محبوبته ميّ بالبقر الوحشي ، فهنّ قد أشبهن البقر في النظرة الأولى ، بل هنّ أحسن منه صورًا كما يقول في البيت التاسع من هذه الأبيات ، وهذا التشبيه يستدعي ما شاع لدى أصحاب النقد الأسطوري من تشبيه المرأة بالمهاة وهي أولاد البقر ، هذا التشبيه الذائع في الشعر الجاهلي قد دفعهم إلى اتخاذه تعليلاً لقداسة المرأة في الشعر الجاهلي وعبادتها وتعظيمها () والقداسة مرتبطة بالعبودية ، وعلى حد علمنا لم نجد شاعرًا من شعراء العرب في الجاهلية قد أعلن تصريحًا أو تلميحًا عن عبادته المرأة ، وكل ما في الأمر تهويمات نقدية ، يرسلها بعض النقاد للربط قسرًا وقهرًا بين ذيوع الصورة التشبيهية وعلاقة الرجل بالمرأة المحبوبة 0
كما أننا نستطيع أن نلتمح شيئًا من الرصد الواقعي لصورة ميّ وصويحباتها رصدًا يخرجها من الجانب الأسطوري إلى الجانب الواقعي الذي يكشفه توظيف الألوان في الأبيات السابقة ، حيث تنوعت الألوان بين البياض في : غراء ، والبياض المشرب بالحمرة في عفرة ، والأصفر في : مصفرّ العصيم وهو العرق عندما يجفُّ والأسود في : جونا وهو هنا العرق عندما يسيل مشكلاً أخاديد في أجسادها ، وعرق الإبل هذا كما يقول النمري :" أول عرق الإبل أسود ، فإذا بقي اصفرّ " () وإن كان هذا التحديد مخالفًا لما قاله الباهلي شارح ديوان ذي الرمة حيث جعل صُفرة عرق الناقة مرتبطةً بحالة الجفاف ، وسواده مرتبطًا بحالة السيلان ، والباهلي أسبق من النمري بما يقرب من قرن ونصف قرن من الزمان ، ومع ذلك فإننا أمام لونين للعرق يتحول بينهما وهما : الصفرة والسواد الذي نجد ما يدل عليه كذلك في الأبيات السابقة : حوّة وهو سواد في الشفة ، وكذلك حُمّ جمع أحمّ وهو الأسود من كل شيء ، فإن هذه المجموعة اللونية إنما جاءت ملازمة لحركة النسوة والإبل التي يركبنها في تلك الرحلة تحت حرارة الشمس ، وما تأكله الإبل في طريقها ، والعرق الذي يسيل على أجسادها بفعل حرارة الشمس والإجهاد من كثرة السير ، ولعل في تنوع هذه الألفاظ اللونية ما بين البياض الصفرة والسواد ما يستدعي الجهد المبذول في السير تحت حرارة الشمس للنسوة والإبل 0
وإذا وقفنا أمام هذه الدوال اللونية ، وحاولنا قراءتها مع الميثولوجيين ، نجدهم ينظرون إلى اللون الأبيض نظرة مقرونة بشيء من التعظيم والتقديس المرتبط بعبادة الثالوث المقدس : الشمس ـ الزهرة ـ القمر التي ترتبط باللون الأبيض بصورة أو بأخرى في الميثولوجيات القديمة ، فاللون الأبيض هو لون الزهرة عند البابليين ممثلاً الطبقة الثانية من الأسفل من طبقات الكواكب السبعة وهي المخصصة لعبادة الزهرة عندهم () ويبدو أنها كانت إلهة أنثى عند عرب الجزيرة الذين كانوا يقدمون لها القرابين من الإناث الجميلات ، ويبدو كذلك ارتباطها باللون الأبيض في العرف العربي إذا ما رجعنا إلى جذرها اللغوي زهر ومنه أزهر وزهراء ، وقد قال النمري في ملمعه : " وسميت الزُّهرة ـ فُعَلَة ـ النجم لبياضها وصفائها ، وسميت المهاة لذلك " () 0
ولعل ذلك مما يسهم في تفسير وتعليل تشبيه الشعراء العرب القدامى للمرأة بالمهاة ، وإذا كان اسم زهرة وزهراء من الأسماء العربية الشائعة للمرأة وبنو زهرة حي من قريش وهم أخوال النبي محمد صلى الله عليه وسلم ، وزهرة اسم امرأة كلاب بن مرة ، وزهران أبو قبيلة ، والمرأة الزهراء كالدرة البيضاء () فإن ثمة علاقة واضحة " بين الزهرة كلون وصفة أنثوية ، والزهرة كوكب الصباح الأبيض الذي عُبِد على أنه إلهة أنثى ، وترسخت دلالاته الأنثوية في العقلية العربية " () وربما كانت هذه العلاقة الأساسَ الذي ترجع إليه صورة المرأة البيضاء في الشعر الجاهلي () ولكن هل كانت أساسًا لصورة المرأة البيضاء في شعر ما بعد الإسلام ؟ أم أن العقيدة الإسلامية التوحيدية المنافية للوثنية الجاهلية قد أسهمت في وجود علاقة جديدة تفسِّر تصوير شعراء ما بعد الإسلام للمرأة باللون الأبيض ؟ 0
وإذا كان الشعر الأموي امتدادًا طبيعيًّا للشعر الجاهلي ، فإن أيّ باحثٍ لا يستطيع أن ينكر أثر الإسلام في الشعر الأموي : لغته وموضوعاته وصوره وأساليبه ، رغم ما بدا في العصر الأموي من بعض الانتكاسات الجاهلية كعودة العصبيات القبلية التي تزيت بهذا الزِّي الجاهلي ، أو تزيَّت بأردية الصراعات السياسية والمذهبية ، وكذلك انتشار أماكن اللهو والمجون وشرب الخمور حتى في بعض قصور الخلافة الأموية من مثل الوليد بن يزيد الذي يروي صاحب الأغاني عن تهتكه وشربه الخمر ولهوه () حكايات نزع في كثير منها إلى المبالغة ، وإن كان مشهورًا بمعاقرة الخمر ، ورغم ذلك فإن الأثر الإسلامي يبدو بصورة واضحة في شعره خاصة ، وشعر غيره من الشعراء الأمويين ، وقد كان هذا التأثير من الوضوح بحيث " أصبحت المُثُل الإسلامية تمثل ركيزة في الفكرة الشعرية " () عند الشعراء الأمويين جميعهم وعند ذي الرمة الذي مثل الإسلام والقرآن الكريم منبعًا " أمده بثروة غزيرة من التعبير والتصوير " () 0
إن اللون الأبيض في أبيات ذي الرمة السابقة لا يأتي صريحًا ، وإنما أتى بمرادفه أو بلفظ من ألفاظه الثانوية وهو قوله في البيت الأول: غراء ، والغراء من الغُرَّة وهي بياض في الجبهة ، وهي أول الشيء ، وسمي أول الشهر غرة لبياضه ، والغرة جبهة الفرس أو ما فيها من البياض ، والغِرّة : الجارية حديثة السنِّ لم تجرب الأمور () والبياض صفة جمال في المرأة العربية القديمة ، بيد أن ذا الرمةلم يقل بيضاء ، ولو قال لم يفسد الوزن الشعري ، ولن ينكسر الإيقاع ، وليس لها روايات أخرى في نسخ الديوان التي بين أيدينا () ومن ثمة فإن للمرء أن يتساءل في هذا السياق : لِمَ لمْ يستخدم اللفظ اللوني الصريح وقد استخدمه الشعراء الجاهليون بصورة صريحة في سياق المرأةكامرئ القيس () والأعشى () والمزرد بن ضرار () وأوس بن حجر () وبشر بن أبي خازم الأسدي () وغيرهم كثير من الشعراء الجاهليين والمخضرمين ، وهذا أمر طبيعي ؛ لأنهم " جميعًا كلِفون باللون الأبيض ، ويتضح هذا من وصفهم للوجه ؛ لأنه الجزء البارز الفاتن " () دون أن يستدعي ذلك الوصف التفسير الميثولوجي ، أو استحضار الشاعر كل الدلالات الميثولوجية المرتبطة باللون عند وصفه المرأة بهذا الوصف اللوني ، مما يعني أن الشاعر إنما كان يميل إلى الواقعية الوصفية التي تتفق ورغبته في صورة المرأة التي يحبها 0
وربما أكد هذا الميل الواقعي للوصف اللوني الذي يقدمه الشاعر للمرأة ما نراه في قوله من الأبيات السابقة في وصف شفتَيْ محبوبته ميّ :
لَمْيَاءُ فِي شَفَتَيْهَا حُوَّةٌ لَعَسٌ
| ||
كَالشَّمْسِ لَمَّا بَدَتْ أَوْ تُشْبِهُ الْقَمَرَا
| ||
حيث نجد الوصف اللوني : لمياء ،حوّة ، لعس ، وكلها تشير إلى سواد في الشفة ، وإذا ما أضفنا إلى هذا الوصف التشبيهَ بالشمس ، وجدنا الشاعر قد خصص زمن التشابه بقوله : لمّا بدتْ ، والمراد عندما ظهرت الشمس ؛ لأن الضمير في الفعل يعود على الشمس باعتبارها أقرب مرجوع له وهو الأنسب للدلالة التشبيهية ، فالناظر إلى قرص الشمس عند ظهورها في أول الصباح يدرك وجود اللون الأسود في ذلك القرص الأحمر ، وكأننا أمام شفتين حمراوين قد شابهما شيء من السواد ، وعندما نستدعي التشبيه الثاني في البيت السابق : أو تشبه القمر ، فإننا عندما نستحضر الصورة الواقعية للقمر الأبيض المشبه للون المرأة البيضاء ، نجد فيه شيئُا من الغُبْرة أو السواد 0
وإذا كان التفسير الميثولوجي لتشبيه المرأة بالقمر في الشعر الجاهلي ، يعود إلى تقديس العرب للقمر ؛ حيث " زعموا أنه يستحق التعظيم والعبادة ، وإليه تدبير هذا العالم السفلي ، ومن شريعة عبادتهم أنهم اتخذوا له صنمًا على شكل عجل ، وبيدِ الصنم جوهرة ، يعبدونه ويسجدون له ويصومون له أيامًا معلومة من كل شهر " () فإننا نذهب إلى القول بأن تلك العبادة إنما كانت في الجاهلية ، وعندما جاء الإسلام حطّم الأصنام جميعها ، ونهى ربنا تبارك وتعالى عن الشرك وعبادة غيره سبحانه وتعالى ، وجاء النهي صريحًا عن عبادة الشمس والقمر في قوله تعالى : ﴿ لاَ تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلاَ لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا للهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ﴾[ فُصِّلَتْ 37] ومن ثمة كان صرف هذه الصورة الوثنية لتشبيه المرأة بالقمر على الشعر الإسلامي مما يُجافي حقائق الأمور 0
ومن مثل هذا الوصف اللوني الواقعي للمرأة المحبوبة ما نجده من استدعائه اللون الأبيض ، والشمس في قول ذي الرمة من وصف ميّ أيضًا [ وافر ] () :
تُرِيكَ بَيَاضَ لَبَّتِهَا وَوَجْهًا
| ||
كَقَرْنِ الشَّمْسِ أَفْتَقَ ثُمَّ زَالاَ
| ||
إنها ـ ميّ ـ غَرَّاء بيضاء ليس وجهها فحسب ، وإنما عنقها أو موضع قلادتها ـ لبّتها ـ أيضًا هو أبيض اللون ، ثم نراه يستدعي الشمس مشبَّهًا به لوجه ميّ ، بيد أنه لا يستدعي الشمس جملة ، وإنما يستدعي قرنها ، وهو أول ما يبدو منها عند بزوغها ويكون أبيض ، ومن ثمة قلنا إن الشاعر ينزع في التشبيه اللوني إلى الواقعية ، وهنا لا تستطيع بحال من الأحوال استدعاء ما ارتبط بالشمس من التقديس والعبادة التي كانت شائعة في الجاهلية حيث الوثنية النافية للتوحيد وعبادة الله تعالى ، وقد ذكرنا من قبل أثر الإسلام في الشعر الأموي ، ونخص ذا الرمة بأن " في شعره أدعية وابتهالات وهي لاشك تدل على نزعة دينية فيه ، وهي نزعة تُلاحَظُ في صور مختلفة ، فهو إذا مدح وصف مادحه بالتقوى والإيمان ، وإذا هجا وصف مهجوّه بترك الشعائر الدينية " () إلى جانب ما يرد فيه شعره من حديث عن قصر الصلاة في السفر والتيمم وقراءة القرآن الكريم ، وغير ذلك من الشعائر الإسلامية 0 ومن تشبيهه أم سالم ـ ميّ ـ في سياق وصفها بالبياض قوله [ طويل ] () :
مِنَ الْبِيضِ مِبْهَاجٌ عَلَيْهَا مَلاَحَةٌ
| ||
نُضَارٌ وَرَوْعَاتُ الْحِسَانِ الرَّوَائِعِ
| ||
هِيَ الشَّمْسُ إِشْرَاقًا إِذَا مَا تَزَيَّنَتْ
| ||
وَشِبْهُ النَّقَا مُغْتَرَّةً فِي الْمَوَادِعِ
| ||
حيث نجده يمهد بالوصف بالبياض والملاحة والجمال للصورتين التشبيهيتين في البيت الثاني ، ففي الصورة الأولى يشبهها عندما تتزين بالشمس عندما تشرق أو تضيء ، وهو الوقت الأول لظهورها ، وتكون الشمس فيه أقرب للبياض ، وفي الصورة الثانية يشبه أم سالم بالنقا ، والأصل فيها بنات النقا " وهي دويبة تسكن الرمل كأنها سمكة ملساء فيها بياض وحمرة " () ولا شك أن التشبيه هنا تشبيه واقعي يميل الشاعر فيه إلى استدعاء كل ما يتصل باللون الأبيض ، ذلك اللون الأثير للشعراء في محبوباتهم ، والتشبيه بالشمس هنا فيه مبالغة لتأثير جمال المرأة ليس عليه وحده ، وإنما على كل شيء ، مبالغة موائمة لبلاغة التشبيه الذي أسقط فيه الشاعر أداة التشبيه ؛ حتى لا يكون ثمة حاجز لغوي بين طرفيها موهمًا المتلقي أنهما كالشيء الواحد ، ذلك الحذف الذي لم يلجأ إليه في الصورة الثانية ؛ إذ فصل بين الطرفين بدالة التشبيه ـ شِبْه ـ وهي اسم يستدعي باسميته ثبات الفصل بينهما ؛ ليغاير بينهما ابتغاء التشابه اللوني 0
ولأن ذا الرمة شاعر بدوي ، والبادية ساحة طبيعية تبرز فيها الحيوانات المختلفة واضحة للعيان ، ومنها بالطبع الظباء التي شغلت مساحة كبيرة من الشعر العربي القديم خاصة في سياق المرأة ، كذلك تبرز الشمس في البادية ساطعة واضحة لا يحجبها العمران الحضري ، فإنه ـ ذو الرمة ـ كغيره من الشعراء يستدعي الظبية والشمس ليصور بهما امرأته أو محبوبته ميّ ، فيقول [ طويل ] () :
لَهَا جِيدُ أُمِّ الْخِشْفِ رِيعَتْ فَأَتْلَعَتْ
| ||
وَوَجْهٌ كَقَرْنِ الشَّمْسِ رَيَّانُ مُشْرِقُ
| ||
وهو في استدعائه الظبية ـ أم الخشف ـ إنما يستدعيها في لحظة من لحظات الخوف والفزع التي ترفع عنقها فيها ؛ ليشبه بها جيد ميٍّ مستدعيًا شدة جماله وحُسْنه وهي أحسن ما تكون إذا اشرأبَّتْ عند البدوي الذي يراها بصورة مستديمة أمام عينيه ، فهي ليست تجسيدًا للمرأة الإلهة ، وليست كذلك رمزًا حيوانيًّا للمرأة المثال وصورة لها حاول الشعراء الجاهليون جاهدين " لترسيخها في الذهنية الجمعية الجاهلية من خلال صورهم الميثولوجية التي تحاكي في رمزيتها البلاغية النماذج الأسطورية العليا " ()0
ثم يصور ذو الرمة وجهها بامتلائه ـ ريان ـ ووضاءته ـ مشرق ـ بأنه كقرن الشمس عند بزوغها ، أو ناحية من الشمس ؛ لأن الوجه هو الذي يبرز من المرأة وتكون وضاءته وجماله الذي يشبه بروز الشمس أمام عينيْ الشاعر الذي تغمره الشمس بكل المظاهر الحياتية ، ومن ثمة يكون تشبيهه وجه المرأة التي غمرته بحبها ، ومنحته الرغبة في العيش بالشمس نابعًا من مثل هذا الإحساس ، وإذا كانت الظبية أحسن ما تكون عندما تشرئبُّ بعنقها عند البدوي ، فإن الشمس تكون كذلك أحسن ما تكون عندما تبرز من بين السحاب طلْقةٍ لا برد فيها ولا أذًى ؛ ولذلك يشبه ذو الرمة صورة ميّ ـ سُنَّتها ـ بالشمس آنئذٍ فيقول [ طويل ] () :
لَهَا سُنَّةٌ كَالشَّمْسِ فِي يَــوْمِ طَلْقَةٍ
| ||
بَدَتْ مِنْ سَحَابٍ وَهْيَ جَانِحَةُ الْعَصْرِ
| ||
ولا شك أن البدوي ـ خاصة ـ يشعر بجمال الشمس وقيمتها وأثرها ، خاصة في هذا الوقت الذي تبرز فيه من بين السحاب ، أو قبيْل العصر ؛ " فهي أحسن ما تكون وقد دنا العصر " كما يقول الباهلي في شرحه لهذا البيت () ومن ثمة تكون الشمس هنا هي الشمس الطبيعية ، وتكون الصورة نابعة من البيئة الطبيعية التي يعيش فيها الشاعر ويتأثر بها ، وعلى ذلك يكون تشبيه صورة المرأة بالشمس والوجه الجامع بينهما قد يكون الجمال والبهاء ، وقد يكون الإشراق والوضاءة ، وقد يكون كلاهما مما يُقبل في هذه الصورة البدوية للمرأة 0
وإذا كنا في سياق المرأة حيث الغزل وعاطفة الحب لابد من ذكر قيس بن الملوح أو مجنون ليلى ، أو مجنون بني عامر ، هذه الشخصية التي حيكت حولها حكايات ، وانفردت بمساحة كبيرة في دراسات التأريخ الأدبي متمركزة حول فكرة حقيقة وجوده وعدمه حتى بين الرواة القدامى ، وإن كان المثبتون لوجوده تاريخيًّا وأدبيًّا أكثر من النافين لوجوده ، بل إن بعض مَنْ نفوا وجوده عادوا وأثبتوه فيما بعد () مما يحقق وجوده تاريخيًّا وأدبيًّا ، وإن كان قد أصاب شعره ما أصاب شعر غيره من كبار الشعراء من النحل والتزيد ، وهو أمر لا ينفي كونه شاعرًا مُجيدًا ، له " حاسة فنية قوية ، وهو يلوذ بفنه مما يكربه من أسًى على حرمانه في عاطفته ، ويجد في التعبير عن آلامه في شعره استرواحًا من الجهد الفادح " () والعنت الشديد في عاطفته نحو محبوبته الوحيدة التي أفنى شعره وحياته فيها 0
ويبدو أنه قد كان صادقًا في عاطفته نحو ليلى العامرية ، وربما تأكد هذا الصدق عندنا في نزوعه نحو التعفف في وصفها ووصف محاسنها ، ومن غريب الأمر أن اللون الأبيض الذي كلف به الشعراء عند حديثهم عن محبوباتهم في العصر الجاهلي وما بعد الإسلام ـ على نحو ما مرّ ـ نجده قليلاً بحيث لا يتناسب وجوده وموضوع الديوان وهو الغزل العفيف ـ رغم ما في اللون الأبيض من دلالة على الطهر والعفاف والبعد من الريبة ـ وإبراز العاطفة الجياشة نحو المرأة المحبوبة ؛ فقد ورد اللون الأبيض سبع مرات هي قوله [ طويل ] () :
مِنَ الْخَفِرَاتِ الْبِيضِ وَدَّ جَلِسُهَا
| ||
إِذَا مَا انْقَضَتْ أُحْدُوثَةٌ لَوْ يُعِيدُهَا
| ||
وقوله [ طويل ] () :
أَلاَ حَبَّذَا الْبِيضُ الأَوَانِسُ كَالدُّمَى
| ||
وَإِنْ كُنَّ يُسْكِرْنَ الْفَتَى أَيَّمَا سُكْرِ
| ||
وقوله [ كامل ] () :
بِيضٌ تُشَبَّهُ بِالْحِقَاقِ ثُدِيُّهَا
| ||
مِنْ عَاجَةٍ حَكَتِ الثُّدِيُّ حِقَاقَهَا
| ||
وقوله [ طويل ] () :
أَلاَ أَيُّهَا الْقَلْبُ اللَّجُوجُ الْمُعَذَّلُ
| ||
أَفِقْ عَنْ طِلاَبِ الْبِيضِ إِنْ كُنْتَ تَعْقِلُ
| ||
وقوله [ طويل ] () :
مِنَ الْخَفِرَاتِ الْبِيضِ لَمْ تَدْرِ مَا الْخَنَا
| ||
وَلَمْ تُلْفَ يَوْمًا بَعْدَ هَجْعَتِهَا تَسْرِي
| ||
وقوله [ كامل ] () :
بَيْضَـــــــاءُ بَاكَرَهَا النَّعِيمُ كَأَنَّهَا
| ||
قَمَرٌ تَوَسَّطَ جُنْحَ لَيْلٍ أَسْوَدِ
| ||
وقوله [ طويل ] () :
وَفِي الظَّعْنِ بَيْضَاءُ الْعَوَارِضِ طَفْلَةٌ
| ||
مُنَعَّمَـــــةٌ يَسْبِي الْحَلِيــــمَ ابْتِسَـــامُهَـــا
| ||
والملاحظ في هذه الأبيات السبعة أن الشاعر قد استخدم دالة الجمع بيض في خمسة مواضع ، بينما استخدم المفرد في موضعين اثنين ، والجمع قد يقفنا عند الشك في نسبة بعض هذه الأبيات إلى المجنون الذي قصر عاطفته على امرأة واحدة هي ليلى العامرية التي تغزل فيها غزلاً عفيفًا ينأى عن الحسية المبتذلة التي ورد عليها البيت الثاني من هذه الأبيات الخمسة ، بينما يبدو البيت الرابع من أبياته حيث وصف ليلى هذا الوصف الدال على العفة الشعرية ، فهي عنده من الخفرات اللاتي يتمتعن بشدة الحياء ، وهي من البيض الدال على الجمال ، أما البيت الأخير الذي أتى فيه بالمفرد بيضاء ، فيبدو أنه البيت الوحيد الذي خصّ فيه محبوبته بهذا الوصف اللوني الذي لا يستدعي صفة الجمال باعتباره علامة عليه فحسب ، وإنما يمكن استدعاء ما ارتبط به من صفات الطهر من الفاحشة ، والنقاء من العيوب () والعفاف والصون ، ومن ثمة كان الوصف المفرد المناسب لطبيعة العلاقة العفيفة للشاعر بمحبوبته تلك العلاقة التي عبر عنها بلغته الشعرية 0
وإذا كان اللون الأبيض في غزليات المجنون قليلاً على هذا النحو ، فإنه ربما استعاض عنه بصور تشبيهية شبه فيها أسنان محبوبته ليلى بالدرة [ ص100] أو هي كلها بالدرة في قوله [ بسيط ] () :
كَانَتْ كَدُرَّةِ بَحْرٍ غَاصَ غَائِصُهَا
| ||
فَأَسْلَمَتْهَــــــــا يَــــدَاهُ بَعْدَمَـــــــا قَدَرَا
| ||
وتشبيه المرأة بالدرة من التشبيهات المأثورة قديمًا ، وفيها دلالة على الوضاءة والصون والعفاف والشرف والجمال المستوحى من لونها الأبيض المحبوب لدى العرب القدماء جميعهم في المرأة بصفة عامة ، ومع ذلك فقد ذهب الميثولوجيون إلى ربطه بالأساطير والمعتقدات الميثولوجية القديمة حيث " اعتبر الساميون القدامى وأحفادهم الجاهليون الدرةَ رمزًا من رموز الربة الكونية عشتار ، ذلك أنها تعود بالبشرية إلى البعث الأمومي الأول الذي حكته معظم الأساطير السامية راصدةً وقائعه الإحداثية الجارية في الأمواه البحرية حين خرجت الأم الكونية من الصدفة البدئية ، فأضحت درة العوالم الوجودية " () 0
وإذا رجعنا إلى الصورة التشبيهية في البيت السابق ، وجدنا الشاعر يفيد من تجربة الشعراء الجاهليين ، إذ يتناصّ مع الأعشى في قوله [ طويل ] () :
كَأَنَّهَـــا دُرَّةٌ زَهْـرَاءُ أَخْرَجَهَـا
| ||
غَوَّاصُ دَارِينَ يَخْشَى دُونَهَا الْغَرَقَا
| ||
قَدْ رَامَهَــا حِجَجًا مُذْ طَرَّ شَارِبُهُ
| ||
حَتَّى تَسَعْسَعَ يَرْجُوهَا وَقَدْ خَفَقَـــا
| ||
فالمجنون يشبه محبوبته بالدرة ، ومن قبل في المقطعة التي منها هذا البيت شبهها بالظباء والغزلان ، ولكنه في هذا البيت يتناسى أمر المشبه ، ويركز عينه على المشبه به الدرة ، فيحكي قصة غواصها الباحث عنها ، فهو العاشق الباحث عن وصال محبوبته الشبيهة بالدرة ، أما أصحاب التفسير الميثولوجي ، فنراهم يُرجعون مثل هذه الصورة إلى أصول ميثودينية ، وذلك ما يبدو من تعليق الدكتور علي البطل على صورة المرأة عند الأعشى في البيتين السابقين بقوله : إنه " ينطلق موسعًا المشبه به مهملاً المشبه ، أو ساترًا صورته وراء هذه الصورة الموحية بأصلها الديني " () 0
وبالطبع لسنا ننسى وصف هذه الدرة بأنها زهراء مستدعيًا دلالة اللون الأبيض ، ومذكِّرًا في الآن عينه بالمرجعية اللغوية للزهراء ، وإشارتها ـ ميثولوجيًّا ودينيًّا ـ إلى الزهرة باعتبارها الضلع الثالث في الثالوث العربي المقدس ـ كما يراه الميثولوجين : الشمس – القمر – الزهرة ، بيد أننا نرى في صورة المجنون السابقة صورة واقعية تحكي ظروف البيئة التي يعيش فيها وأعرافها وتقاليدها ، وما قصة الغواص الباحث عن هذه الدرة إلا حكاية العاشق الهائم على وجهه وراء محبوبته ، يهيم بها وجدًا ويكشف عنها في شعره مقتدرًا على هذا الكشف الذي يتسبب في ضياعها منه بسبب الأعراف القبلية القديمة المحرمة على الشاعر المشهِّر بمحبوبته في شعره أن يتزوجها ، وأما إذا تزوجها وصارت امرأته ، فله أن يشبِّب بها في شعره دونما حرج يحول دون التشبيب بها من مثل قول الفرزدق في زوجته [ طويل ] () :
كَـأُمِّ غَـزَالٍ أَوْ كَـدُرَّةِ غَـــــائِصٍ
| ||
إِذَا مَا بَدَتْ مِثْلَ الْغَمَامَةِ تُشْرِقُ
| ||
فهي تشبه الظبية أم الغزال ، أو درة الغواص ، ومتألقة كالغمامة 0
ومما استعاض به الشاعر عن اللون الأبيض في وصف جمال محبوبته ليلى تشبيهها بالقمر [ ص92] وبالبدر [ ص145 ، 158 ، 175 ] ذلك التشبيه المأثور منذ الجاهلية ، وهو التشبيه الذي يستدعي الوضاءة والجمال والصون والشرف والمنعة ، يقول المجنون [ طويل ] () :
إِذَا عِبْتُهَـــا شَبَّهْتُهَـا الْبَدْرَ طَالِعًــــا
| ||
وَحَسْبُكَ مِنْ عَيْبٍ يُشَبَّهُ بِالْبَدْرِ
| ||
هِيَ الْبَدْرُ حُسْنًا وَالنِّسَاءُ كَوَاكِبٌ
| ||
فَشَتَّــــانَ مَــا بَيْنَ الْكَوَاكِبِ وَالْبَدْرِ
| ||
ولسنا ندري هل نسي الشاعر أنه يعيبها إذا شبهها بالبدر ؟ ، إذ يعود في البيت الثاني ويشبهها بالبدر دون أن يأتي بفاصل بين المشبه والمشبه به ، ليقفنا أمام ناتج غياب أداة التشبيه وهو كون المشبه والمشبه به شيئًا واحدًا ، ووجه الشبه بينهما الحُسْن ، وربما اعتذرنا عن الشاعر بأنه في البيت الثاني إنما أراد أن يميز محبوبته من بين النساء متناصًّا مع النابغة الذبياني في قوله للنعمان بن المنذر [ طويل ] () :
بِأَنَّكَ شَمْسٌ وَالْمُلُوكُ كَوَاكِبٌ
| ||
إِذَا طَلَعْتَ لَمْ يَبْدُ مِنْهُنَّ كَوْكَبُ
| ||
وقد أرجع الميثولوجيون تشبيه المرأة بالبدر أو القمر إلى بقايا عقائد دينية قديمة كانت تقدس القمر وتعبده على ما مر ، وهؤلاء الميثولوجيون نظروا إلى القمر الإله الذكر وقصة اقترانه بالإلهة الأنثى الشمس ، وما تمخض عنه هذا الاقتران من وجود الإله الثالث الابن الزهرة ومرادفاتها على نحو ما مرّ ، واستدعاء القمر بهذه الكيفية الميثودينية تعزيز لفكرة الخصوبة التي ارتآها الميثولوجيون ، وإذا كنا نقبل مثل هذا التفسير عند كثير من الصور الشعرية الجاهلية التي يبدو فيها الميل الجنسي وما يترتب عليه من فكرة الإخصاب الأمومي ، فإننا ـ على ـ الأقل ـ لا نقبلها تفسيرًا لشعر ما بعد الإسلام عامة وشعر العذريين الأعفَّاء عامة ، فلم يضع المجنون نصب عينيه أمثال هذه العلاقات الجنسية والإخصابية في تعبيره عن عاطفته نحو ليلاه ، وإنما عمد إلى تشبيهها بالبدر مستمدًّا هذا التشبيه مما سبقه من تراث الشعر العربي ، ومما وقر في الذاكرة الإنسانية من كون القمر أو البدر هو المشبه به المثالي الدال على جمال المرأة المثالية 0
ومثلما شبه الشاعر ليلاه بالدرة تارة والقمر والبدر تارة أخرى ، فإنه شبهها كذلك بالشمس في مواضع متعددة من ديوانه () فهي تبدّت كالشمس [ ص 61] وهي قرن من الشمس طالع [ ص144] وهي كالغزالة في الضحى [ ص145] والغزالة هي الشمس كما ذكرنا ذلك سابقًا من خلال المرجعية اللغوية والفكر الميثولوجي الرابط بين الغزالة والمرأة باعتبارهما ـ ميثولوجيًّا ـ نظيرًا أرضيًّا للشمس الإلهة ، وهي : سقتني شمس [ ص 164] وهي شبيهة ضوء الشمس [ 235] وكالشمس وجهها [ ص 237] وثمة مواضع أخرى آثرنا ذكرها في الجمع بين البدر والشمس في الصورة التشبيهية ، وهذا الحضور الغالب للشمس لا شك يعطي الشمس في الصورة التشبيهية قيمة حضورية لافتة للمتلقي ، فلا أحد ينكر أثر الشمس في الحياة الإنسانية عامة ، وفي حياة العربي القديم خاصة ، بيد أنه أثر لا يكون مسوِغًا لجعل الشمس إلهة معبودة ، والمرأة بديلاً أرضيًّا لها 0
وماذا نقول في جمع الشاعر في صورته التشبيهية للمرأة بين البدر والشمس ، وجعلهما مشبَّهًا به لمحبوبته ، بل يجعلها تفوقهما حُسنًا ووضاءةً وإشراقًا [ ص 118] وكيف يكون ذلك والميثولوجيون يعتبرون المرأة من البدائل الأرضية عن الشمس والقمر ، فهل البديل يفوق الأصل الذي يحكيه في كل شيء ؟ يقول المجنون [ طويل ] () :
أَنِيرِي مَكَانَ الْبَدْرِ إِنْ أَفَلَ الْبَدْرُ
| ||
وَقُومِي مَقَامَ الشَّمْسِ مَا اسْتَأْخَرَ الْفَجْرُ
| ||
فَفِيكِ مِنَ الشَّمْسِ الْمُنِيرَةِ ضَوْؤُهَا
| ||
وَلَيْسَ لَهَا مِنْكِ التَّبَسُّمُ وَالثَّغْرُ
| ||
بَلَى لَكِ نُورُ الشَّمْسِ وَالْبَدْرُ كُلُّهُ
| ||
وَلاَ حَمَلَتْ عَيْنَيْكِ شَمْسٌ وَ لاَ بَدْرُ
| ||
لَكِ الشَّرْقَةُ اللأْلاءُ وَالْبَدْرُ طَالِعٌ
| ||
وَلَيْسَ لَهَا مِنْكِ التَّرَائِبُ وَالنَّحْرُ
| ||
وَمِنْ أَيْنَ لِلشَّمْسِ الْمُنِيرَةِ بِالضُّحَى
| ||
بِمَكْحُولَةِ الْعَيْنَيْنِ فِي طَرْفِهَا فَتْرُ
| ||
وَأَيْنَ لَهَا مِنْ دَلِّ لَيْلَى إِذَا انْثَنَتْ
| ||
بِعَيْنَيْ مَهَاةِ الرَّمْلِ قَدْ مَسَّهَا الذُّعْرُ
| ||
ولعله في هذه اللوحة الفنية الحوارية التي يناجي فيها ليلاه قد ولج داخل نفسه يستخرج منها هذه الشحنة العاطفية التي جسدت مشاعره تجاه محبوبته ، فقدم تلك اللوحة الفنية التي لم يخرج فيها عن الذائقة الفنية السائدة في تراثه الشعري وفي بيئته العربية ، فأخذ " يرسم صورة فنية لليلى يقارن فيها بينها وبين الشمس ، فيراها تزيد على الشمس في ابتسامتها وثغرها الجميل ، بل إنها ساطعة منيرة تُضاهي الشمس والقمر ، وتزيد عليهما بصدرها الجميل ، وعينيها المكحولتين ونظرتها الفاترة ، وكذلك بدلالها وفتنتها " () التي سحرته وألهبت وجده ، ومن ثمة فإنه راح يفضلها على الشمس في كل شيء 0 وقوله [ طويل ] () :
أَلَمْ تَعْرِفُوا وَجْهًا لِلَيْلى شُعَاعُهُ
| ||
إِذَا بَرَزَتْ يُغْنِي عَنِ الشَّمْسِ وَالْبَدْرِ
| ||
يَمُـرُّ بِوَهْــمِي خَــاطِرٌ فَيَؤُدُّهَا
| ||
وَيَجْرَحُهَا دُونَ الْعِيَانِ لَهَا فِكْرِي
| ||
مُنَعَّمَةٌ لَوْ قَـــابَلَ الْبَدْرُ وَجْهَهَـــــا
| ||
لَكَــــــــانَ لَهُ فَضْـــلٌ مُبِينٌ عَلَى الْبَدْرِ
| ||
وقوله [ طويل ] () :
سَــــــــــلاَمٌ عَـلَى مَــنْ لاَ يُمَــــلُّ كَلاَمُهُ
| ||
وَإِنْ عَاشَرَتْهُ النَّفْسُ عَصْرًا إِلَى عَصْرِ
| ||
فَمَا الشَّمْسُ وَافَتْ يَوْمَ دَجْنٍ فَأَشْرَقَتْ
| ||
وَلاَ الْبَـــــــدْرُ وَافَى أَسْعُـــــدًا لَيْلَــــةَ الْبَــــــدْرِ
| ||
بِأَحْـــسَنَ مِنْهَـا أوْ تَزِيـــــدُ مَــــــلاَحَةً
| ||
عَلَى ذَاكَ أَوْ رَاءَى الْمُحِبُّ فَمَا أَدْرِي
| ||
إن البدر والشمس في هذه الأبيات جميعها واقعيان أدخلهما الشاعر في مقارنة تفضيلية مع محبوبته ليلى التي يفوق جمالها جمالهما ، فهي تضيء الليل إذا أفل البدر ، وهي تباشر وظيفة الشمس في إضاءة الكون إذا ما استأخر ظهور البدر ، وهي كالشمس بل تفوق عليها وجهًا وتبسمًا ونحرًا وعينين مكحولتين ،فلها ما للشمس والبدر من النور والوضاءة والجمال والملاحة ولكنها أحسن منهما في كل ذلك ،ومن ثمة فإن ليلى عنده هي المرأة المثالية حُسْنًا ووضاءة ووصفًا قد يُغري المتلقي بأنه إنما يقدس هذه المرأة تقديس عبادة ،والواقع غير ذلك ،وإنما يُقال إنها قد بلغت في عينيه حدًّا من الجمال جعله لا يرى غيرها من النساء ،ولا يشعر بعاطفة تجاه امرأة أخرى ؛إذ شتان ما بينها وغيرها من النساء ،ومن ثمة فإن تشبيهه ليلى بالشمس في هذه الأبيات قد جاء تشبيهًا واقعيًّا ليس إلا ،مستدعيًا كل ما للشمس من صور جمالية ، ومن الأفضلية التي يعطيها الشاعر لمحبوبته على الشمس قول ذي الرمة [ طويل ] () :
بَــعِيدَاتُ مَــهْوَى كُـلِّ قُــرْطٍ عَـــقَـــدْنَـهُ
| ||
لِطَـافُ الْخُـصُـورِ مُشْـرِفَاتُ الرَّوَادِفِ
| ||
فَمَا الشَّمْسُ يَوْمَ الدَّجْنِ وَالسَّعْدُ جَارُهَا
| ||
بَــدَتْ بَــيْنَ أَعْنَاقِ الْـغَمَامِ الصَّوَائِـفِ
| ||
وَلاَ مُـــخْـرِفٌ فَـرْدٌ بِـأَعْلَى صَـــرِيــمَـةٍ
| ||
تَصَـدَّى لأَحْــوَى مَــدْمَعِ الْــعَيــْنِ عَـاطِــفِ
| ||
بِـأَحْسَــــنَ مِنْ خَرْقَـاءَ لَـمَّا تَـعَــرَّضَـتْ
| ||
لَــنَـــا يَـوْمَ عِــيــدٍ لِلْخَرَائِدِ شَائِــــفِ
| ||
فهو يقدم صورة مثالية للمرأة من حيث طول العنق : بعيدات مهوى القرط ، وضمور البطن : لطاف الخصور ، وأعجاز غير ضامرات : مشرفات الروادف ثم يقدم صورة جميلة للشمس في يومٍ لا ريح فيه ولا غبار ولا أذى : يوم الدجن ، ويقدم أخيرًا صورة مثالية لولد الظبي الذي يرعى في الخريف منفردًا فوق قطعة من الرمل وقد عطف عنقه نحو أمه ، فهذه الصور الثلاثة التي مثلتْ صورة جمالية مثالية لكل طرفٍ من أطرافها ، ليست بأحسن من محبوبته خرقاء وقد بدت في يوم عيد حيية راق منظرها الشاعر وأعجِبَ بها ، واستخدام الشمس في البيت الثاني للدلالة على أنها ـ الشمس ـ ليست بأحسن من محبوبته 0
وإذا ما حاولنا أن الغوص وراء البنية العميقة للدلالة في الصورة التقارنية بين الشمس والمرأة في أبيات مجنون ليلى وأبيات ذي الرمة ، فإننا سوف نصل إلى نتيجة مفادها : أن الشمس تشبه المرأة ، ولما كانت فلسفة التشبيه في البلاغة العربية قائمة على كون وجه الشبه الجامع بين طرفيْ التشبيه في المشبَّه به أقوى من المشبه كانت الشمس بجمالها ليست بأحسن من خرقاء ، ويقول المجنون : [ طويل] () :
أَقُولُ لأَصْحَابِي : هِيَ الشَّمْسُ ضَوْؤُهَا
| ||
قَـرِيبٌ وَلَكِنْ فِي تَنَاوُلِهَــا بُــعْـــــدُ
| ||
وقد علق الدكتور علي البطل ـ من أصحاب التفسير الأسطوري ـ على هذا البيت الذي يشبه فيه المجنون ليلاه بالشمس بقوله : " فلا يفصل بينها وبين الشمس ، هي الشمس ذاتها ، ولكن فيم ؟ ليست هي الشمس الأم ، باعثة الحياة ، التي تخلع ضوءها على وجه المحبوبة ، ولكنها هنا شمس في معناها الذي تعززه هذه العلاقة بينهما ، فهي قريبة بعيدة ، يراها مثل غيره من الناس ، ولكن حصوله عليها لتكون شمسه وحده أمر مستحيل " () ومن ثمة فالشمس هنا ـ كما يبدو من قوله ـ هي الشمس الطبيعية ، وعليه فالصورة هنا واقعية ، ونقول نحن : ألا ينسحب مثل هذا التفسير على الصور التي شبه فيها الشعراء ـ عامة والإسلاميون خاصة ـ المرأة بالشمس على أنها الشمس الطبيعية وليست المعبودة التي افتنّ الميثولوجيون في ربطها بالصورة نفسها عند الشعراء الجاهليين ؟!! 0
وتشبيه المرأة بالشمس نجده كذلك عند الشعراء الأمويين ، وهو تشبيه مستمد من تراث الشعر العربي السابق على العصر الأموي ، وهو تشبيه كذلك مستمد من البيئة التي يعيش فيها الشاعر يقول عبيد الله بن قيس الرقيات [ طويل] () :
لَـــــقَدْ فَتَنَـــــــتْ رَيَّا وَسَلاَّمَةُ الْقَسَّا
| ||
فَلَمْ تَتْرُكَــا لِلْقَسِّ عَقْلاً وَلاَ نَفْسَـــــا
| ||
وَمَا اسْتَعْبَدَ الرُّهْبَانَ بِالدَّيْرِ مِنْهُمَــا
| ||
وَلَمْ يَسْتَحِــلاَّ لاَ حَرَامًا وَلاَ نَجْسَــــا
| ||
فَتَــــــاتَـانِ أَمَّـا مِنْهُمَـا فَشَبِيهَةُ الـــ
| ||
هِلاَلِ وَالُاخْرَى مِنْهُمَا تُشْبِهُ الشَّمْسَا
| ||
فالشاعر في البيت الأخير يستدعي في صورته التشبيهية أجواء القداسة والطهارة حيث القسُّ والرهبان والدير وعدم استحلال الحرام والنجس ؛ ليرتفع بصورة هاتين الفتاتين فيجعل إحداهما شبيهة بالهلال المستدعي لهذه المرحلة من مراحل صورة القمر المنير ، والأخرى تشبه الشمس ، ولا شك أن جمال الأخرى يفوق وضاءة ونورًا جمال الأولى لفرق ما بين الهلال جزء القمر والشمس ، وليس استدعاء مظاهر القداسة السابقة الذكر تكميلاً لصورة المشبَّه به ـ الهلال والشمس ـ وإنما هي تكميل لصورة الفتاتين 0 ويشبه سُعدى أو ليلى بقرن الشمس في قوله [ خفيف ] () :
قَدْ أَتَانَا مِنْ آلِ سُعْدَى رَسُولٌ
| ||
حَبَّذَا مَا تَقُولُ لِي وَأَقُولُ
| ||
مِنْ فَتَاةٍ كَأَنَّهَا قَرْنُ شَمْسٍ
| ||
ضَاقَ عَنْهَا دَمَالِجٌ وَحُجُولُ
| ||
إن من جماليات دالة التشبيه كأنّ تأكيد الصورة التشبيهية ، وعدم الفصل بين المشبه ـ ها ـ والمشبه به ـ قرن شمس ـ ليخلي الصورة أمام المتلقي من أية عوالق لغوية قُبيل هذا التشبيه ، بيد أنه يضيف إلى الصورة التشبيهية سِمنة الفتاة التي يضيق معصمها عن لبس حليِّها ، وفي التشبيه بقرن الشمس أو بالشمس استدعاء للون الأبيض لون الجمال المحبب في المرأة العربية ، ويشبه جرير المرأة بالشمس في سياقات غير غزلية ، فهو يقول في سياق هجاء الأخطل [ طويل ] () :
كَأَنَّ عُيُونَ الْمُجْتَلِينَ تَعَرَّضَتْ
| ||
لِشَمْسٍ تَجَلَّى يَوْمَ دَجْنٍ سَحَابُهَا
| ||
فهو يشبه هندًا في سياق الاستعارة التصريحية بالشمس التي تعرضت لها عيون المجتلين في يوم دجن ، وقال عن أمامة في قصيدته لهريم بن أبي طِحمة وهلال بن أحوز المازني [ وافر ] () :
وَقَـــدْ حَــلَّتْ أُمَامَةُ بَطْنَ وَادٍ
| ||
بِـــهِ نَخْـــــــــلٌ وَقَـابَلَتِ الرَّغَـامَا
| ||
تَزَيَّنَهَــا النَّعِيـمُ بِـــــهِ فَـتَمَّتْ
| ||
كَقَـرْنِ الشَّمْسِ زَايَلَتِ الْجَهَامَـــــا
| ||
حيث جعل النعيم زينة تم به جمالها ، فصارت شبيهة بقرن الشمس في هذا الجمال ، وجاء في نقائض جرير والفرزدق قول جرير عن سليمى [ وافر ] () :
لَعَمْـــــرُ أَبِي الْغَوَانِي مَــا سُلَيْمَى
| ||
بِشِمْــــــــلاَلٍ تُــرَاحُ إِلَى الشَّبَــــــابِ
| ||
تُكَــــــــــنُّ عَنِ النَّوَاظِــرِ ثُمَّ تَبْدُو
| ||
بُدُوَّ الشَّمْسِ مِنْ خَلَلِ السَّحَــابِ
| ||
وهي صورة فنية تكشف عن جمال سليمى وأثر رؤياها على الناظرين خاصة بعدما تستتر ، حيث تبدو كما تبدو الشمس من بين السحاب في أحسن ما تكون ، ويقول القطامي عن جمال أمامة وبياضها وصفائها [ كامل ] () :
شَمْسٌ يَفُوزُ بَنُو الْحُصَيْنِ بِجَنْبِهَـــا
| ||
وَتُـضِيءُ دُورُهُـمُ لَهَــا أَحْيَــــــــانَا
| ||
تَضَعُ الْمَجَاسِدَ عَنْ صَفَائِحَ فِضَّةٍ
| ||
ذُلْــــقٍ تَــــــرِى صَفَحَـاتِهِنَّ حِسَانَا
| ||
وهي صورة حسية لامرأة بلغت من بياض الوجه وصفائه ما جعلها نورًا يضيء ديار من تعيش بينهم بل ليس نورها فحسب وإنما رائحة جسدها ومناكبها البيضاء التي تبدو وكأنها صفائح فضة ، ودلالة الشمس واضحة على الفترة الزمنية التي تبرز فيها أمامة بجمالها الشمسي ، أما بياض الفضة ، فإنه يستدعي ضوء القمر أثناء الليل 0 ويقدم شاعر أهل البيت السيد الحميري إحدى مدائحه في أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه بمقدمة غزلية يتغزل فيها بهند على عادة الشعراء السابقين ، فيقول منها [ طويل ] () :
أُلاَحِظُ مِنْهَا الْوَجْهَ كَالشَّمْسِ تَطْلُعُ
| ||
وَأَلْثُمُ مِنْهَا الثَّغْرَ كَالْمِسْكِ يَسْطَعُ
| ||
فاستدعاء الشمس عند الطلوع مشبهًا به لوجه هند له دلالته على البكورة والصفاء والوضاءة ، كما أن ذلك المسك الساطع فوق الثغر يستدعي التراسل الحسي بين المشموم وهو المسك والمرئي الساطع المتساوق ودلالة الشمس التي تطلع في صدر هذا البيت 0
وعندما يتحدث قيس بن ذريح عن لبنى يصفها بأنها غريرة ذات خلق حسن ، ووضيئة كالشمس وسهلة المنطق في قوله [ كامل ] () :
كَيْفَ السُّلُوُّ وَلاَ أَزَالُ أَرَى لَهَـــا
| ||
رَبْعًــــــا كَحَـــاشِيَةِ الْيَمَانِ الْمُخْلَــــقِ
| ||
رَبْعًـــــا لِـوَاضِحَةِ الْجَبِينِ غَـرِيرَةٍ
| ||
كَالشَّمْسِ إِذْ طَلَعَتْ رَخِيمِ الْمَنْطِقِ
| ||
ويقول سراقة البارقي عن محبوبته [ كامل ] () :
وَكَأَنَّهَـا فِي الدَّارِ يَــــوْمَ رَأَيْتُهَـــــــا
| ||
شَمْسٌ يَظَلُّ شُعَاعُهَا فِي أَفْكَلِ
| ||
تُعْشِي الْبَصِيرَ إِذَا تَأَمَّلَ وَجْهَهَــــا
| ||
مِنْ حُسْنِهَا وَتُقِيمُ عَيْنَ الأَحْوَلِ
| ||
وإذا كان سراقة قد أحدث لجمال محبوبته الشبيهة بالشمس أثرين متوازنيْن من حيث إصابته البصير بضعف البصر ـ العشى ـ إذا تأمل وجهها ، وتعديله عين الأحول ، فإن عمر بن أبي ربيعة يكتفي بأثر واحد فيقول [ خفيف ] () :
وَتَرَاءَتْ عَلَى الْبَلاَطِ فَلَمَّا
| ||
وَاجَهَتْنَا كَالشَّمْسِ تُعْشِي الْعُيُونَا
| ||
رغم أنه يقدم لها مجموعة كبيرة من الصور الفنية التي يصورها فيها بالشمس فهي كالشمس [ ص 125] وفي الصبح مثل شمس النهار [ ص 127 ] وكشمس الضحى [ ص139 ] وكأن ضوء الشمس تحت قناعها والمراد وجهها كضوء الشمس [ ص150 ] وهي شمس أو قمر منير [ ص155 ] وهي شعاع الشمس ساعة تطلع [ ص179 ] وكالشمس إذ بدت في دجاها [ ص183 ] وهي الشمس عُلّق قلبه بها بل زادت على الشمس تميزًا [ ص188- 189] وهي شمس أو مصابيح بِيعة [ ص199- 200] وهي كالشمس بالأسعُد أشرقت بليل [ ص203- 204] وهي من حسنها شمس الضحى [ ص264] وهي الشمس بانت [ ص271] وصورة من الشمس [ ص302] ووجهها مشرق مثل قرن الشمس [ ص312] وهي من بهجة الشمس [ ص423] وصورة الشمس [ ص447] وصورة كالشمس [ ص453] وشمس تجلت من الأستار [ ص461] أو كقرن من الشمس [ ص468] ودارة الشمس [ ص472] وبيضاء مثل الشمس [ ص472] وهي شمس عشاء [ ص489] 0
وربما كانت هذه الكثرة المتبدية في شعر عمر بن أبي ربيعة دالة على أنه " كرر نفسه تكرارًا ممجوجًا في منظار الشعر " () بيد أنها كثرة تكشف عن طبيعة فن الشعر لدى ابن أبي ربيعة ، فقد كان أوصف الشعراء لربات الحجال كما قال الشاعر الأموي نُصَيْب () وعندما سمع الفرزدق شيئًا من نسيب عمر بن أبي ربيعة قال : " هذا الذي كانت الشعراء تطلبه فأخطأته وبكت الديار ووقع هذا ـ عمر ـ عليه " () وذكر جرير أن " أنْسب الناس المخزومي يعني ابن أبي ربيعة " () ومن ثمة فقد كانت لوحاته الفنية التي صور فيها المرأة بالشمس دالة على هذه المكانة الشعرية التي لا يغض منها كثرة أو تكرار لهذه الصور ، وهو التكرار الذي ربما يكون ميزه على غيره من الشعراء الذين صوروا المرأة بالشمس في أشعارهم 0
وكذلك يكتفي النابغة الشيباني بأثر واحد للشمس عندما يشبه محبوبته سلمى بشمس الصيف في قوله [ وافر ] () :
كَشَمْسِ الصَّيْفِ غُرَّتُهَا ضِيَاءٌ
| ||
يَكَادُ شُعَاعُهَا فِي الْبَيْتِ يُعْشِي
| ||
وربما كانت الصورة التشبيهية في هذا البيت سلبية في كون شعاع الشمس يكاد يصيب مَنْ في البيت بالعشى ، بيد أنها مبالغة تشبيهية تشير إلى شدة جمال وجه المرأة ووضاءته ، حتى إنه يجمع بين شمس النهار وبدر الليل في الوضاءة والجمال فيقول [ بسيط ] () :
شَمْسُ النَّهَــارِ وَبَدْرُ اللَّيْلِ سُنَّتُهَا
| ||
زَيْنُ الْحُلِيِّ وَلاَ يُزْرِي بِهَا الْعَطَلُ
| ||
والسُّنَّة هنا هي صورتها أو وجهها الذي يشبه شمس النهار وبدر الليل ، وقد حذف الشاعر أداة التشبيه ؛ حتى لا يفصل بين طرفيْ الصورة فاصل وكأنهما شيء واحد ، ثم إنه قدَّم المشبّه به على المشبه ؛ ليلفت المتلقي إلى جمال وجهها ووضاءته ، فهو يزين الحُلِي ولا يعيبه إن كان خاليًا من الحلي والزينة ، ونلحظ في الصورة كذلك تقديمه شمس النهار على بدر الليل رغم ارتباط جمال وجه المرأة بالبدر في الوضاءة كما وعته الشعرية العربية ، بيد أن التقديم هنا يستدعي فكرة الشمول المرتبطة بضوء الشمس ، فضلا عن الوضوح واستمرارية الأثر الشمسي في الوجود والموجودات جميعها ؛ وربما لأجل ذلك وجدنا الحارث بن خالد المخزومي يجعل المحبوبة شمسًا بالنهار وشمسًا بالعشاء في قوله [ طويل ] () :
أَطَافَتْ بِنَا شَمْسُ النَّهَارِ وَمَنْ رَأَى
| ||
مِنَ النَّاسِ شَمْسًا بِالْعِشَاءِ تَطُوفُ
| ||
هذه الصورة التي رأى عليها الحارث المخزومي ليلى بنت مرة وهي تطوف حول الكعبة المشرفة ، فأبى إلا أن يشبهها بالشمس ، فهي تضيء الليل كما تضيء النهار المنتسبة إليه في استفهامه التعجبي من شدة جمالها ووضاءة وجهها 0
وقال الحارث بن خالد أيضًا في حبّابة جارية يزيد بن عبد الملك بن مروان [ بسيط ] () :
يَحِنُّ قَلْبِي إِلَيْهَـــا حِينَ أَذْكُرُهَا
| ||
وَمَـــا تَذَكَّرْتَ شَوْقًــــــا آبَ مِـــنْ أُمَمِ
| ||
إِلاَّ حَنِينًـا إِلَيْهَــا إِنَّهَـــــا رَشَــــأٌ
| ||
كَالشَّمْسِ رُؤْدٌ ثِقَــالٌ سَهْلَةُ الشِّيَمِ
| ||
والحارث يعلل حنينه إليها بأنها شبيهة بالرشأ وهو ولد الظبية الذي تحرك ومشى ، ثم يشبهها هي عينها وليس الرشأ بالشمس في حسنها ـ رُؤْدٌ ـ ويقول أبو حية النميري متغزِّلاً [ طويل ] :
وَقُـــلْــنَ لَــهَـا سِـــرًّا وَقَـيْنَــاكِ لاَ يَــرُحْ
| ||
صَحِيحًــــا وَإِنْ لَــمْ تَـقْـتُـلِـيــهِ فَـأَلْـمِـمِي ()
| ||
فَأَدْنَتْ قِنَاعًا دُونَهُ الشَّمْسُ وَاتَّقَتْ
| ||
بِـأَحْـسَنِ مَــوْصُـــولَــيْـنِ : كَفٍّ وَمِعْصَمِ
| ||
والقناع هو الخمار يُخفي خلفه وجهها الشبيه بالشمس وضاءةً وجمالاً حتى كأنه ليقتل العاشق لها ، ويصف فتاته فيقول [ وافر ] () :
كَأَنَّ الشَّمْسَ سُنَّتُهَا إِذَا مَا
| ||
حَلَفْنَ لَتُسْفِرَنَّ مِنَ اللِّثَامِ
| ||
وهذه هي الصورة الأثيرة عند الشعراء عندما يصفون وجه المرأة ، إذ يأتون بالقناع أو الخمار يستر الوجه ، فإذا ما انكشف القناع ، بدت الصورة التي تشبه الشمس جمالاً ووضاءة ، ولذلك وجدنا الشاعر يأتي بالغواني ووسطهن هذه الشمس يقسمنَ عليها أن تميط اللثام عن هذا الوجه الشمسي الذي زاده قتلاً عندما رماه بنبل غير شاهدة الكلام في البيت التالي للبيت السابق الذي يصور فيه وجه محبوبته وقد سفرت من اللثام بالشمس 0
وقال يزيد بن مفرغ الحميري في وصف امرأة [ خفيف ] () :
هَلْ أَرَى الشَّمْسَ فِي دَسَاكِرَ تَمْشِي
| ||
فِي قِطَـافٍ صَفْـــرَاءَ كَالْعُرْجُـــــونِ
| ||
إن الاستفهام في البيت ينم عن تعجب وإعجابٍ بجمال المرأة ومشيتها ضيقة الخطى وكأنما تشبه العرجون وقد أصابه الذبول أو الصفرة فبدا تثنيه واضحًا ، والجمع بين الشمس ولون الصفرة في العرجون استدعاء لبطء حركة المرأة وتثنيها كأنما أصابها المرض فشحب لونها وانثنى جسمها وتباطأت خطواتها 0
وعندما اشترى يزيد بن عبد الملك سلاّمة القس ، ووفد عليه الكميت بن زيد الأسدي ، طلب منه يزيد أن يصفها له شعرًا ، بعد أن وصفها نثرًا ، فكان مما قاله الكميت [ خفيف ] () :
هِيَ شَمْسُ النَّهَارِ فِي الْحُسْنِ إِلاَّ
| ||
أَنَّهَا فُضِّلَتْ بِعَطْفِ الظِّرَافِ
| ||
وَلَــهَــــــا مَــنْــظَــرٌ وَدَلٌّ شَــهِـيٌّ
| ||
وَحَــــدِيثٌ مُــرَتَّــــلٌ غَــــــــــــــيْــرُ جَافِي
| ||
خُلِقَتْ فَوْقَ مُنْيَةِ الْمُتَمَنِّي
| ||
فَاقْبَــــلِ النُّصْـــــحَ يَــــا ابْـــنَ عَبْدِ مَنَافِ
| ||
إن المصاحبة السردية التي جاءت في إطارها هذه اللوحة الوصفية ، لتؤكد على ما بلغته سلاّمة من الجمال الذي فاق جمال شمس النهار الساطعة بحسن عبارتها وهيئتها وبلاغتها وبمنظرها وجمال جسدها ودلالها وحديثها العذب ، فقد قال الكميت ليزيد : " أي والله يا أمير المؤمنين وما أرى أن لها مِثلاً في الدنيا " () 0
ويقول العرجي [ كامل ] () :
بَكَرَ الْخَلِيطُ بِمَنْ تُحِبُّ فَأَدْلَجُوا
| ||
ظُلْمًــا لَعَمْـرُكَ ثُـمَّ لَـــمْ يَتَحَرَّجُــــوا
| ||
كَالشَّمْسِ تَخْتَشِعُ الْكَوَاكِبَ حَوْلَهَا
| ||
وَالشَّمْسُ لَمْ تَكُ قَبْلَ ذَلِكَ تُدْلِجُ
| ||
إن هذه الصورة التي يقدمها العرجي لمحبوبته لتكشف عن شدة جمالها فهي كالشمس التي تضعف أو تتصاغر الكواكب حولها ، رغم أن الشمس قبل ظهور المحبوبة لم تدلج بالليل ، ومن ثمة ندرك الفرق بين صورتها عند العرجي وصورتها عند المجنون الذي قال فيما ذكرناه من قبلُ : فشتان ما بين الكواكب والبدر ؛ لأنها تستحضر الكواكب ـ النساء ـ وتعطيها قدرها مع زيادة قدر الشمس التي يشبه بها محبوبته ليلى 0أما العرجي فإنه يكاد يُلغي أثر الكواكب ـ النساء ـ في حضرة الشمس وهي المرأة المحبوبة ، ويقول [ كامل ] () :
كَالْبَدْرِ صُورَتُهَا إِذَا انْتَقَبَتْ
| ||
وَإِذَا سَفَرْتِ فَأَنْتِ كَالشَّمْسِ
| ||
وهي صورة فنية قد جمع فيها الشاعر بين البدر والشمس اللذين يشبِّه بهما المرأة حال انتقابها وسفورها ، فهي في كلتا الحالتين وضيئة وجميلة ، ويشبهها بالشمس وسط أترابها فيقول [ بسيط ] () :
يَمُرْنَ مَوْرَ الْمَهَا تُزْجِي جَآذِرَهَا
| ||
إِذَا تَخَافُ عَلَيْهَا مَوْضِعَ الثُّكَنِ
| ||
فِيهِنَّ بَهْنَانَةٌ كَالشَّمْسِ إِذْ طَلَعَتْ
| ||
تُصْبِي الْحَلِيمَ بِدَلٍّ فَاخِــــرٍ حَسَـــــنِ
| ||
وهو في هذه الصورة يجمع في تشبيه النساء بالمها أو الغزلان تسوق أولادها ـ الجآذر ـ نحو أماكن مبيتها ـ الثكن ـ والشمس التي يشبه به فتاته أو امرأته في الجمال والوضاءة ، بيد أنه لا يقنع من وصفها بالجمال بهذه الصورة التشبيهية ، وإنما يُضيف إلى صورتها الشمسية جمال الرائحة وطيبها ـ بهنانة ـ وكأن هذه الرائحة الطيبة تنتشر انتشار الشمس في مخيلة " الشاعر المبدع ليقارنها بانتشار الرائحة الزكية الجميلة المنبعثة من فم تلك الشابة لتستوعب أكبر حيزٍ مكاني ، فالهيئة واللون المشرق والانتشار هي أهم أوجه التماثل بين طرفيْ هذه العملية الإبداعية ـ البهنانة والشمس ـ عن طريق الكاف التي ربطت التشبيه المرسل بطرفيه " () صحيح أن الكاف هنا تقف كالحاجز دون تماهي المشبه في المشبه به ليصيرا كالشيء الواحد ، إلا أن ارتباط الصورة بإيحاءات الهيئة واللون والحركة ـ الانتشار ـ قد قربت بين الطرفين بصورة كبيرة 0
ويقول الفرزدق مشبهًا وجهها بالشمس [ طويل ] () :
دَعَتْنِي إِلَيْهَا الشَّمْسُ تَحْتَ خِمَارِهَا
| ||
وَجَعْــدٌ تَثَنَّى فِي الْكَثِيبِ غَدَائِــرُهْ
| ||
حيث يشير إلى تألق وجهها ولمعانه من تحت الخمار كأنه الشمس ، وشعره المضفور يتثنّى على كثيب ردفها ، ويصفها قائلاً [ بسيط] () :
غَزَالَةُ الشَّمْسِ لاَ يَصْحُو الْفُؤَادُ بِهَا
| ||
حَتَّى تَــرَوَّحـتْ لأْيًا بَعْـــدَ إِيــصَـــــالِ
| ||
حيث يصفها بأنها غزالة الشمس ، والغزالة قد تكون هنا الحيوان المعروف وهو كثير الدوران في شعر الغزل والتشبيب ، وقد تكون الغزالة هنا هي الشمس على الأصل اللغوي الذي أشرنا إليه من قبل ، وتكون المرأة هي الغزالة وهي الشمس في الآن عينه ، وإن كنا نميل إلى القول الأول ، أما مجيء المضاف إليه الشمس ، فإنما لتأكيد ما لها من وضاءة الشمس وجمالها ، فإنه يشبهها بالشمس ، وويتردد ذلك عنده ، فأم ممدوحه كالشمس [ 1/ 67 ] وأم الوليد بن عبد الملك الخليفة الأموي شبيهة بالشمس لأنها : من الشمس [ 1/135 ] 0
ويقول ابن ميادة عن أمامة [ بسيط ] () :
كَأَنَّ حِقْفَيْ كَثِيبٍ أُزِّرَتْ بِهِمَا
| ||
وَمَعْقِدُ الْحَلْيِ شَمْسٌ فِي تَرَاقِيهَا
| ||
وفنيتها نابعة من توظيف الألوان الطبيعية وتناسقها لرسم صورة هذه المرأة المؤتزرة بثياب صفر تتجسم مع اعوجاج وركيها فتشبه كثيب الرمل الأصفر ، أما معقد الحلي في تراقيها وهو عنقها أو عقدها الذي تتزين به ، فإنه يشبه الشمس ذات اللون الأصفر ، ومن ثمة نلمح هذا التناسق اللوني بين لون الثوب ولن معقد الحلْي الذي تتزين به في تراقيها ، ويصور أبو النجم العجلي أمَّ العمر بالشمس فيقول [ رجز ] () :
بَائِنَةُ الْمَنْكِبِ مِنْ حَادُورِهَا
خِدَبَّةُ الْخَلْقِ عَلَى تَخْصِيرِهَا يَزِينُهَا أَزْهَرُ فِي سُفُورِهَا فَضَّلَهَا الْخَالِقُ فِي تَصْوِيرِهَا كَالشَّمْسِ لَمْ تَعُدْ سِوَى ذُرُورِهَا نَوْمَ الْعَرُوسِ الْبِكْرِ فِي عُطُورِهَا مِنْ مِسْكِ دَارِينَ وَمِنْ عَبِيرِهَا |
وهي صورة تجسيدية للمرأة تبدو فيها طويلة العنق بعيدة المنكب من الحادور وهو القرط ، عظيمة العجز ـ خدبّة ـ رغم دقة خصرها ـ تخصيرها ـ ووجهها كالقمر المضيء ـ يزينها أزهر ـ أو وجهها عندما أزهر مضيء كالشمس عند أو طلوعها ـ ذرورها ـ وإذا نامت فإنها كالعروس البكر تنام متعطرة بمسْكِ دارين بالبحرين 0ويقول عروة بن أذينة عن امرأة تغزل بها [ متقارب ] () :
وَقَـــدْ هَـــــاجَ شَـــوْقَــكَ بَعْــدَ السُّلُـــــوِّ
| ||
مَشْبُــــــوبَــــةٌ مِـــــــــنْ سَـــــنَـــــــا نَــــارِهَـــــــا
| ||
بِــثُـــــغْــــــــرَةَ يُـــــــــــوقِــــــــدُهَـــــــــــا رَبْـــــــــــرَبٌ
| ||
كَــــــعِـــــــيـنِ الْــمَــــهَـا بَـــــيْــنَ دُوَّارِهَـــا
| ||
حِسَــانُ السَّـــوَالِـــفِ بِـيــضُ الْــوُجُــــو
| ||
هِ مِــــــنْهَـا الْخـُطَى قَـــدْرَ أَشْبَارِهَا
| ||
تَـــكَـــــــــادُ إِذَا دَامَ طَــــــــــرْفُ الْـــجَــلِيـــــ
| ||
ـــسِ يَـكْـــلَـــمُ رِقَّــةَ أَشبَـارِهَـا
| ||
يُــطِــفْـنَ بِـخَــوْدٍ لُــبـــــَاخِـــيَّــــةٍ
| ||
كَشَمْسِ الضُّحَى تَحْتَ أَسْتَارِهَـــا
| ||
إنه يقدم لوحة وصفية كاشفة عن هيجان شوقه لتلك المرأة بعد نسيان حبها وذاك أنها ظهرت بهذا المكان ـ ثغرة ـ يحيط بها جماعة من النسوة جمعن من سمات الجمال الشيء الكثير من حيث جمال الأعناق وسعة العيون كعيون المها مع بياض في الوجوه وقِصَر في الخطى ، رقيقات الأبشار ترفًا ونعمة تكاد تلك الأبشار تدمي أو تُجرح إذا ما أطال جليسهن النظر إليهن ، وقد ظهرت هذه المرأة بينهن وقد أحطن بها شبيهة بشمس الضحى في جمالها ووضاءة وجهها 0
ويصف المتوكل الليثي صاحبته أم أبان بالحصان والعفة ، مستدعيًا بعض أوصاف الفرس الأصيلة ، غيرمبتعد عن الدلالات اللغوية لمادة شمس في اللسان العربي في قوله [ طويل ] :
فَهَاجَ الْهَوَى وَالشَّوقُ لِي ذِكْرَ حُرَّةٍ
| ||
مِنَ الْمُرْجَحِنَّاتِ الثِّقَــــــــــالِ حَصَـــــــانِ
| ||
شَمُوسٌ وِشَاحَاهَـا إِذَا ابْتُزَّ ثَوْبُهَـــا
| ||
عَلَى مَتْـــــــنِ خُمْصَانِيَّةٍ سَلِسَـــــــــــانِ ()
| ||
فهي حرة متمايلة في مشيتها مع ثقل في عجيزتها حصان عفيفة ، وهي شموس أبية تنفر من الريبة ، أو أنها لا تُطالع الرجالَ ولا تُطمِعُهُمْ في الوصول إليها ، وأصل الشموس في اللغة : الفرس الأبية الجموح التي لا تستقر ، فالمرأة شبيهة بها عندما يُجتذب ثوبها أو يُستلب في إشارة إلى العفة والصون وقوة الدفاع عن النفس ، وفيها لين وسلاسة ، وتشبيه المرأة بالفرس من الصور المأثورة عند الجاهليين ، وهي صورة قد ترجع إلى أصول ميثولوجية متعلقة بالمعبودة البابلية عشتار وما لها من دلالات كونية ومنها القدرة الإخصابية والقدرة التدميرية التي ربما دلت عليها المرجعية اللغوية لكلمة شموس في صدر البيت الثاني ؛ ومن ثمة فقد قدّسوا الفرس " باعتبارها رمزًا حيوانيًّا أصيلاً للربة الكونية الكبرى " () في الفكر الميثولوجي الذي عد المرأة والمهاة والغزالة والظبية والفرس رموزًا وبدائل أرضية للشمس وربما أيَّد ذلك ما عُرف عن العرب القدامى من احتفالهم بالفرس والخيل 0
ويقول جران العود [ طويل ] () :
وَفِي الْحَـــــيِّ مَــــيْــــلاَءُ الْــخِــمَــارِ كَــــأَنَّـهَـــا
| ||
مَـهَــــــاةٌ بِـهجـلٍ مِـنْ أَدِيـمٍ تُعَــطِّـفُ
| ||
شَمُوسُ الصِّبَا وَالأُنْسِ مَخْطُوفَةُ الْحَشَا
| ||
قَتُولُ الْهَوَى لَوْ كَانَتِ الدَّارُ تُسْعِفُ
| ||
فقد كنى عن المرأة بأنها ميلاء الخمار دلالة على على النعمة والراحة ، ثم شبهها بالمهاة في تلك الأرض المخفضة ذات النبت الناعم ليؤكد دلالة النعمة التي تتنعمها المرأة وهي صورة موروثة من الشعر الجاهلي ، ثم وصفها بأنها : شموس الصبا ، وهو وصف يستدعي القوة والجماح وتلك صفة من صفات الخيل ، فكأنها جامحة جموح مَن تعيش مرحلة الصبا ، وليست شموس هنا من صفات المرأة النافرة من الريبة أو التي لا تطمع الرجال في الحديث إليها ؛ ولذلك أشار في خاتمة البيت إلى أن دارها لو كانت قريبة لقتلت هواه 0
ويقول جران أيضًا [ وافر ] () :
وَفِي الْحَيِّ الَّذِينَ رَأَيْتُ خَوْدٌ
| ||
شَمُوسُ الأُنْسِ آنِسَةٌ نَوَارُ
| ||
فالخود هي الفتاة أو الجارية الناعمة ، ولكونها فتاة أو جارية ، فإنها ما زالت صغيرة يافعة يناسبها الشموس بدلالته على النفور ـ نوار ، والجموح الذي يستدعي النشاط والحركة و القوة 0
ويستدعي الأخطل صفة المرأة الشموس ، وما لها من أوصاف أنثوية محببة عند الرجال ، وذلك في حديثه عن بعض النسوة فيقول [ كامل ] () :
شُمُسٌ إِذَا خَطِلَ الْحَدِيثُ أَوَانِسٌ
| ||
يَـــــــــرْقُبْنَ كُـــلَّ مُــجَـــذَّرٍ تــنْبَـالِ
| ||
أُنُـــــــــفٌ كَــأَنَّ حَـدِيَثَهُــنَّ تَنَــــــادُمٌ
| ||
بِالْكَــــأْسِ كُــلَّ عَقِيلَــةٍ مِكْسَـــالِ
| ||
حيث يجمع من صفاتهن الصفات المتناقضة التي تكشف عن صورة امرأة أثيرة لدى الشاعر ، فالنسوة هنا شُمُسٌ واحدها شموس وهي المرأة النافرة التي لا تُطمع الرجال ولا تُطالعهم عند فساد الحديث خاصة الرجل القصير المجذَر الغليظ الأطراف البليد الثقيل ـ تنبال ـ ، ومع ذلك فهن أوانسٌ يؤنسن الرجال بحديثهن وهنَّ أنوفٌ منكرات للضيم ، ويشبه حديثهن مع غيرهن المنادمة بما تحمل الكلمة من مودة ، وهن نسوة عقيلات شريفات يبدو عليهن الكسل من النعمة والثراء وعدم العمل ، في مثل هذه الصورة يقول الفرزدق [ كامل ] () :
وَلَقَدْ يَحُلُّ بِهَا الْجَمِيعُ وَفِيهِمُ
| ||
حُورُ الْعُيُونِ كَأَنَّهُنَّ صِوَارُ
| ||
يَأْنَسْنَ عِنْدَ بُعُولِهِنَّ إِذَا الْتَقَوْا
| ||
وَإِذَا هُمُ بَرَزُوا فَهُنَّ خِفَارُ
| ||
شُمُسٌ إِذَا بَلَغَ الْحَدِيثُ حَيَاءَهُ
| ||
وَأَوَانِـــسٌ بِكَــرِيمَةٍ أَغْــــــرَارُ
| ||
حيث يستدعي صفة شُمْس بدلالتها السابقة عند الأخطل ، ليشير بها إلى أن هؤلاء النسوة ينفرن عن الحديث الفاحش ويأنسن بالحديث العفّ ، وليس لهن خبرة بكيد النساء الأخريات ، وإذا كان الفرزدق يستدعي صفة الشموس فإنما للدلالة على ما للمرأة من نفرة عن الحديث الخادش للحياء 0 ويقول أبو صخر [ طويل ] () :
فَسِرْبٍ كَأَمْثَالِ الدُّمَى مُنْتَهَى الْمُنَى
| ||
يُضِئْنَ الدُّجَى لَفٍّ ثِقَالِ الْحَقَائِبِ
| ||
قِصَارِ الْخُطَى شُمٍّ شُمُوسٍ عَنِ الْخَنَا
| ||
خِدَالِ الشَّوَى فُتْخِ الأَكُفِّ خَرَاعِبِ
| ||
فهو يصور هؤلاء النسوة بمجموعة من الصور التي تكشف عن بعض الصفات الأصيلة في المرأة العربية ، أولاً يشبههن بالدمى وهي صورة تراثية أصيلة ارتبطت فيها الصورة الجسدية للمرأة بالدمى والتماثيل ، وهو " ارتباط واضح في الشعر العربي قبل الإسلام ، وهو وثيق الصلة بالدين القديم ، إذ كانت هذه الدمى والتماثيل تقدم قرابين ونذورًا في معابد الشمس " () بيد أننا مع الشعر الإسلامي لم يعد لدينا معابد للشمس ، ولم تعد الشمس معبودة كما كانت فيما قبل الإسلام ، ومن ثمة أمكننا اعتبار الصورة عند أبي صخر الهذلي مجرد تناص مع الصور التراثية ، وهو تناص لا ينفي الدلالات التي أرادها الشاعر من استدعاء الصورة التراثية ؛ لأنه إنما يريد ربط هذه المرأة المثال في نظره بالمثال الأعلى ـ الدُّمية ـ الذي وصلت إليه صورة المرأة في الشعر الجاهلي ؛ ولذلك عبر عن صورة الدمية هذه بأنها منتهى مُناه في صورة المرأة الخرعبة ذات الجسم الأملس تتثنّى لِينًا في مشيتها 0
ويصورهن ثانيًا بمصابيح يضئن ظلمة الليل ؛ ليستدعي بهذه الصورة صورة المرأة البدر الذي يشق بنوره ظلمة الدجى ، فيحيل المكان نهارًا مضيئًا ، ثم يعقب على ذلك بالصورة الجسدية من حيث كونهن ملفوفات القوام ذوات عجائز ثقيلة مستدعية بطء الحركة ؛ حتى يوسع بضيائهن مساحة الوقت المبرِّز لأثرهن، وهي صورة موروثة كذلك على ما مر سابقًا ، ثم يعدِّد أوصافهنّ ما بين الضخامة أو علو الشأن في قوله : شُمّ أو أنهن مترفعات نافرات ـ شموس ـ عن الفُحش ، ثم يعود إلى الصورة الجسدية فيصفهن بأن بهن لينًا وضخامة فيما بقي ـ الشوى ـ من أجسادهن ، وهو بذلك يضعنا أمام صورة مجسدة للمرأة المثال في نظره من حيث الجمال ـ الدمى ـ والوضاءة ـ يُضئن ـ ومن حيث البنية الجسدية التي بدت بنية موروثة من الشعر العربي الجاهلي " حيث كانت صورة المرأة التي تميل إلى البدانة من الصور المهمة في نظر الإنسان القديم ؛ لتحقق الشروط المثالية التي تؤهلها لوظيفة الأمومة والخصوبة الجنسية " () وإن اختفت هذه النظرة الميثولوجية للمرأة مع ظهور الإسلام 0 ويبدو أن أبا صخر قد كان مشغولاً بهذه الصورة الجسدية للمرأة ؛ إذ يقول في هند [ بسيط ] () :
رَيَّـــا الْمَعَـــاصِمِ مَمْــلُــوءٍ مُخَلْخَلُهَـــا
| ||
غَـــيْـدَاءَ هَـيْكَلَــةٍ مِـنْ بُـدَّنٍ غِـــيــــدِ
| ||
تَثْنِي النِّطَـاقَ بِـقَــوْزٍ خَـفَّـهُ دَمَـثٌ
| ||
حَازَتْ نَقَــاهُ رِيَــاحُ الصَّيْـفِ مَنْضـودِ
| ||
فِي خَـرْعَـبٍ كَـعَيبِ الْـمَـوْزِ مُطَّرِدٍ
| ||
يَغْتَالُ شَمْسَ وِشَــاحِ الْكَشْحِ مَمْسُودِ
| ||
حيث يرسم لوحة فنية لهذه المرأة الممتلئة الريانة مع النعومة ـ غيداء ـ والطول ـ هيكلة ـ والملاسة ـ خرعب ـ تثني نطاقها وهي بتلك الأرض الرملية ـ قوز ، دمث ـ فيبدو منثنيًا كعسيب الموز ، ثم يصور الوشاح الذي تغطي بها كشحها بأنه شمس والمراد بلون الشمس أو كأنه من الفضة في لمعانه 0ويوظف ابن الدمينة الجذر اللغوي شمس للدلالة على الامتناع في قوله عن النسوة اللاتي يشبهن المها في سعة العيون [ طويل ] () :
يُحَاذِرُ مِنْهُنَّ الشِّمَاسَ فَيَرْعَوِي
| ||
وَلِلْقَتـلِ أَحْــــيَـانًـا هُـنَـاكَ مَـوَاضِــعُ
| ||
فإنه إذا خاف امتناعهن ـ الشماس ـ أمسك ورجع ـ يرعوي ـ لأن لكل مقامٍ مقالاً ، ومن ثم فدلالة المصدر الشماس مرتبطة بالمرأة الأبية الممتنعة النافرة التي لا تطالع الرجال ولا تطمعهم ، وقد يستدعي الشماس هنا أيضًا الدلال والصدود المرتبط بالامتناع ، وصدود المرأة من الدلالات المأثورة في أمثال هذه المواقف الغزلية 0
وإذا كانت صفة الشَّموس ، أو الجمع الشُّموس في الأبيات السابقة مما يشير إلى صفة محبوبة في المرأة ، فإننا نجدها عند الشاعر مسكين الدارمي صفة ذم وهجو عندما يصف امرأته قائلاً [ رمل ] () :
لاَ تَـلُمْهَا إِنَّهَا مِـــــنْ نِــسْوَةٍ
| ||
مِلْحُهَا مَوْضُوعَةٌ فَوْقَ الرُّكَبْ
| ||
كَشُمُوسِ الْخَيْلِ يَبْدُو شَغَبُهَا
| ||
كُلَّمَــا قِيــلَ لَهَا : هَــلٍ وَهَبْ
| ||
فهو يتناص مع المثل العربي : " ملحه على ركبتيه " () ليدل على سوء خلقها وغضبها من كل شيء ، فإن أصغر شيء يثير غضبها ؛ ولذلك شبهها في البيت الثاني بشموس الخيل يبدو هيجان شرها كلما تم زجرها : هالٍ وهبْ 0
2ـ 2ـ سياق المدح :
مثلت الشمس فيما ذكرنا من قبل من الشعر الأموي مشبَّهًا به للمرأة في جمالها عامة أو في بعض أجزاء جسمها كالوجه خاصة ، وقد أكثر بعض الشعراء الأمويين من هذه الصورة التشبيهية الحسية للمرأة من مثل عمر بن أبي ربيعة هذا الشاعر الذي فهم طبيعة المرأة ورغبتها في إبراز مفاتنها الحسية ، ومن ثمة رأيناه قد " وظف شاعريته لابتزاز هذه النقطة الضعيفة في تكوينها الشخصي ـ الرغبة في البروز ـ ولا سيما إذا كانت قد وُهِبَتْ من ملامح الجمال ما يُسيغ لها البحث عن حقها في البروز ، وبالتالي في الفوق على لِداتها من بنات حوّاء " () 0
ووجدنا شاعرًا من مثل قيس بن الملوح أو مجنون ليلى يُكثر من تشبيه ليلاه بالشمس بهاءً وسناءً شأنه في ذلك شأن غيره من الشعراء ، بيد أننا نلتمس من سيرة حياته ، وخاصة توحشه وعزلته في الصحراء ما يمكن أن يفسر سر تشبيهه ليلاه بالشمس إلى جانب البهاء والسناء والوضاءة ؛ إن " الشمس التي ألهبت هجير الصحراء ، قد ألهبت مشاعر هذا التائه في رحابها ، فسعى إليها ولم يُفلح ، فآثر البقاء في وحشة الصحراء علّه يلقاها ؛ لأن حياة بلا ليلى صحراء ليس فيها شمس ولا قمر وحياة لا تطاق " () ولعل ذلك ما ينصرف على الشعراء العذريين الذين اتخذوا من الشمس صورة يجسدون بها جمال محبوباتهم وبهاءهنّ ووضاءتهن ، وهي صورة لا شك موروثة منذ العصر الجاهلي ، ولكنها اتخذت خصوصيتها من العواطف المشبوبة عند الشعراء الغزليين ، وما استجدّ من ظواهر حياتية وثقافية في المجتمع العربي الجديد خاصة في ظلال التأثير الإسلامي الذي ظهر في أساليبهم وصورهم ولغتهم وموضوعاتهم الشعرية ، من مثل قول عمر بن أبي ربيعة [ خفيف] () :
وَلَمْ يُقَارِبْ جَمَالَهَا حُسْنُ شَيْءٍ
| ||
غَيْرَ شَمْسِ الضُّحَى عَلَيْهَا نَهَارُ
| ||
فَلَوَ انِّي خَشِيتُ أَوْ خِفْتُ قَتْلاً
| ||
غَيْـــــــرَ أَنْ لَيْسَ تُدْفَـعُ الأَقْــــــــدَارُ
| ||
لاَتَّــــقَيْتُ الَّتِي بِهَــا يُفْتَـــــنُ النَّـــــا
| ||
سُ وَلَكِــــــــنْ لِكُـــــــلِّ شَيْءٍ قِــدَارُ
| ||
فَلَنَفْسِي أَحَـــــــــقُّ بِاللَّـــــوْمِ عَمْــدًا
| ||
حَيْثُمَـــــــا كُنْتُ يَـوْمَ لُفَّ الْجِمَــــارُ
| ||
فجمالها قد فاق الحسن حتى إنه لم يقاربه شيء سوى شمس الضحى الهادئة الساكنة غير اللافحة أو الشديدة الحر ، ثم نلمح شيئًا من الأثر الإسلامي مثل الإيمان بالقضاء والقدر والرضا به حيث لا تُدْفعُ الأقدارُ ، وأن كل شيء له قدره ، ثم نراه يستدعي في البيت الأخير مناسك الحج : يوم لُفّ الجمار ، وهو اليوم الذي يجتمع فيه الحجيج لرمي الجمار بمنى ، فنفسه أحق باللوم في أي مكان يكون فيه هذا اليوم المشهود من أيام الحج 0
وإذا كانت الشمس معادلاً فنيًّا واقعيًّا لجمال المرأة ، فهل كانت كذلك بالنسبة إلى الرجال الذين تم تشبيههم بالشمس ؟ خاصة وأن المعجم العربي في مادة شمس كان بخيلاً سلبيًّا بالنسبة إلى الرجل ، فالرجل الشَّمُوس : الذي لا يستقر على خُلُقٍ ، وهو عَسِرٌ في عداوته ، شديد الخلاف على مَنْ عانَدَهُ ، صعب الخُلُق ، والمُشَمَّسُ هو البخيل الذي لا تنال منه خيرًا ، فهل هذه الدلالات هي عينها التي ظهر عليها تشبيه الرجل بالشمس ؟ هذا ما نحاول الوقوف عليه في الأسوقة الأخرى التي وردت فيها الشمس مشبَّهًا به للرجل ، وهذه الأسوقة هي المدح والهجاء والرثاء والفخر 0
لقد ذهب قدامة بن جعفر في كتابه نقد الشعر إلى أن : العقل والشجاعة والعدل والعفة هي الخصال الأربعة التي إذا ما مُدح بها الرجال كان الشاعر المادح مصيبًا ، وكان بغيرها مخطئًا () وهذه الخصال الأربع تستدعي مجموعة من الخصال الممدوحة في الرجال قديمًا وحديثًا على حد سواء ، فهل كان التشبيه بالشمس أو استدعاء الشمس في السياقات الرجولية داخلة في السياقات المستدعاة في الخصال الأربعة السابقة ؟ هذا ما نحاول مدارسته في صورة الشمس في الشعر الأموي ، فهذا الفرزدق يقول في يزيد من آل المهلب والي خراسان والعراق في عهد سليمان بن عبد الملك ، فيقول [ كامل ] () :
إِنِّي رَأَيْتُ يَزِيـدَ عِنْـدَ شَبَـــــابِـــــهِ
| ||
لَبِسَ التُّقَى وَمَهَــابَــةَ الْجَبَّـــــــارِ
| ||
مَلِكٌ عَلَيْهِ مَهَابَةُ الْمَلِكِ التَّقِيِّ
| ||
قَمَرُ التَّمَــامِ بِـهِ وَشَمْسُ نَهَــــــارِ
| ||
وهذه المسحة الدينية التي يخلعها الفرزدق على يزيد بن المهلب الشاب الورع التقي الذي يهاب الله عزّ وجلّ في قوله وفعله لم تمنعه من وصفه بالمهابة ووضاءة الوجه كأنه قمر التمام يضيء الليل البهيم ، أو كأنه شمس النهار ، ويقول في مدح يزيد بن عبد الملك وأمه [ طويل ] () :
جَزَى اللهُ خَيْرَ الْمُسْلِمِينَ وَخَيْرَهُمْ
| ||
يَــدَيْنِ وَأَغْنَــاهُــمْ لِمَـنْ كَـانَ أَفْقَـرَا
| ||
إِمَـــــــامٌ كَـــأَيِّـــــــــنْ مِـنْ إِمَــــــامٍ نَمَى بِهِ
| ||
وَشَـمْـسٍ وَبَـدْرٍ قَـدْ أَضَــاءَا فَنَوَّرَا
| ||
ومن الحق القول إن الشاعر يضعنا هنا في حيرة من أمره ، هل يصف يزيد بن عبد الملك بأنه شمس ، وأمه بأنها قمر ؟ وإذا كان القمر أنْسَبَ للدلالة التصويرية المأثورة في سياق الجمال الأنثوي منذ العصر الجاهلي ، وخاصة في استدارة الوجه وبياضه ووضاءته ، وهي الصورة الأثيرة عند الشعراء الجاهليين من مثل الأسود بن يعفر في قوله [ كامل ] () :
وَالْبِيضُ تَمْشِي كَالْبُدُورِ وَكَالدُّمَى
| ||
وَنَوَاعِــــــــــمٌ يَمْـشِينَ بِالأَرْفَـادِ
| ||
والأرفاد جمع رَفْد وهو القدح العظيم ، وقول عنترة [ طويل ] () :
وَلَــــــوْلاَ فَتَــاةٌ فِي الْخِيَـــــــــــــــامِ مُقِيمَةٌ
| ||
لَمَــا اخْتَرْتُ قُرْبَ الدَّارِ يَوْمًا عَلَى الْبُعْدِ
| ||
مُهَفْهَفَـــــــةٌ وَالسِّحْرُ فِي لَحَظَاتِهَا
| ||
إِذَا كَلَّمَتْ مَيْتًا يَقُـــــومُ مِنَ اللَّحْـــــــــــدِ
| ||
أَشَارَتْ إِلَيْهَــا الشَّمْسُ عِنْدَ غُرُوبِهَا
| ||
تَقُولُ إِذَا اسْوَدَّ الدُّجَى فَاطْلَعِي بَعْدِي
| ||
وَقَالَ لَهَــا الْبَدْرُ الْمُنِيرُ : أَلاَ اسْفِرِي
| ||
فَإِنَّـــكِ مِثْــــــلِي فِي الْكَمَــالِ وَفِي السَّعْدِ
| ||
وقول عمرو بن كلثوم مشبِّهًا هالة بالهلال [ وافر ] () :
وَلَمْ أَرَ مِثْلَ هَالَةَ فِي مَعَدٍّ
|
تُشَبِّهُ حُسْنَهَا إِلاَّ الْهِلاَلاَ
|
وقول عمرو بن قميئة عن وجهها [ متقارب ] () :
وَوَجْـــــهٌ يَحَــــارُ لَهُ النَّاظِرُونَ
|
يَخَالُونَهُمْ قَدْ أَهَلُّوا هِلاَلاَ
|
فالقمر وأشكاله : البدر والهلال وُظِّفتْ في سياق الصورة الفنية للمرأة العربية في العصر الجاهلي ، وما تلاه من العصور الإسلامية ، وذهب الميثولوجيون إلى الزجِّ بالقمر على رأس المثلث الألوهي المقدس عند الجاهليين العرب وغيرهم ، وربطوه بالقدرة على الإخصاب عند قرانه بالشمس وظهور الابن الزهرة ، ومن ثمة كانت المرأة مقدسة ومعبودة من حيث تشبيهها بالشمس ، والشمس أنثى يُقبل تشبيه المرأة بها ، أما تشبيهها بالقمر الذكر وإضفاء الصفات الأنثوية عليه من حيث الجمال والوضاءة ، فذلك ما يجعلنا مترددين في قبول التفسير الميثولوجي رغم ما يقدمه من تعليلات تتخذ في بعض الأحيان جانب الموضوعية العلمية المبنية على التاريخ 0
وهذا التردد هو ما وقفنا حائرين أمام بيتَيْ الفرزدق السابقين : هل يشبه ممدوحه بالشمس لأنها صدرت أولاً أمْ يشبه أمه بالشمس الأنثى ؛ لأنها الأم كما كانت الشمس أمًّا للزهرة في التفسير الميثولوجي القديم ؟ ولعل هذا التفسير الميثولوجي هو ما قد يتواءم وفكرة القمر الأب ، وإن وافقنا على تشبيه الممدوح الذكر بالقمر الأب ميثولوجيًّا ، فإن تشبيه أمه بالشمس مما يتنافى وكون الشمس في الفكر الميثولوجي زوجة للقمر ، والممدوح في البيتين هو الابن وليس الزوج ، وتلك صورة أخرى للحيرة والتردد في قبول دلالة البيتين اللذين قالهما الفرزدق فيما تقول المصاحبة السردية في مدح يزيد بن عبد الملك وأمه ، بيد أن الشاعر هنا إنما يتحدث عن الأنثى الأم التي يشبهها بالبدر ، في حين شبه ابنها بالشمس في صورة لا يمكن وصفها بالخطأ الفني الذي لم يتفطن إليه شعراء ما بعد الإسلام وخاصة عندما " تأتي الشمس خطأً فنيّا في صورة الرجل ، كما جاء القمر من قبل في صورة المرأة على سبيل الخطأ الفني الذي أدى إليه إعمال المنطق العقلي في إطار الصورة التي لم يعودوا ـ الشعراء الإسلاميون ـ يدركون جذورها الأسطورية القديمة " () وانتفاء الخطأ الفني عندنا إنما مرجعه إلى الدلالة الكامنة خلف الصورة ، وما يُعرَف بلاغيًّا بوجه الشبه ، وهو هنا العلو والرفعة ، وربما في الوضاءة ، وربما كذلك في أثر الممدوح على الرعية مثل أثر الشمس على المخلوقات جميعها ، ومثل هذه الحيرة في التصوير نجدها مع قول عدي بن الرقاع العاملي عند عقد نكاح عبد العزيز بن الوليد بن عبد الملك على أم حكيم [ كامل ] () :
قَمَرُ السَّمَاءِ وَشَمْسُهَا اجْتَمَعَا
| |||
بِالسَّعْدِ مَـــــا غَــابَا وَمَـا طَلَعَــــا
| |||
مَـــــا وَارَتِ الأَسْتَـــــــارُ مِثْــــلَهُمَــــا
| |||
مِمَّـــــنْ رَأَى هَذَا وَمَنْ سَمِعَـــا
| |||
دَامَ السُّرُورُ لَــــهُ بِهَــــــا ولَهَــــــــا
| |||
وَتَهَنَّيَــــا طُـــــولَ الْحَيَــاةِ مَعَـــــا
| |||
لقد أمر عبد العزيز الشعراء بالدخول إلى مجلس عُرْسه بعد عقد النكاح ومعه عروسه أم حكيم ، وهنا نجد الشاعر يقول هذه المقطعة التي يبدؤها بقمر السماء ولعله بدهي أن يكون المراد من القمر هنا الزوج الأمير عبد العزيز ، ويعطف عليه شمس السماء ولعلها الزوجة ، وهنا قد يُستدعى التفسير الميثولوجي الذاهب إلى قِران القمر الأب بالشمس الأم ، وهو استدعاء لا يكون إلا في إطار وثني جاهلي ليس له وجود في شعر ما بعد الإسلام ، وإنما يمكن أن يكون وصف الرجل بالقمر لاستدعاء دلالات وضاءة الوجه وحُسْنه وعلو الشأن ورفعته وهي الدلالات التي تستدعيها دالة السماء ، ويكون وصف الرجل بالقمر امتدادًا للتراث الشعري السابق مما أثبتنا بعض شواهده للشعراء الجاهليين فيما سبق ، ويكون تشبيه المرأة بالشمس مستدعيًا كل دلالات الوضاءة والحُسْن والجمال الأنثوي الذي بدأ مع شعراء الجاهلية وامتد إلى شعراء ما بعد الإسلام 0
وتشبيه الرجل بالشمس في سياق المدح نجده عند جرير وهو يمدح أيوب بن سليمان بن عبد الملك فيقول [ بسيط ] () :
قَــــدْ تَيَّـــمَ الْقَـــــلْبَ حَـتَّى زَادَهُ خَبَـلاً
| ||
مَـــنْ لاَ يُكَلَّمُ إِلاَّ وَهْــوَ مَحْجُـوبُ
| ||
قَــدْ كَانَ يَشْفِيكَ لَـوْ لَـمْ يَأْبَ خَــازِنُــهُ
| ||
رَاحٌ بِبَــرْدِ قَـرَاحِ الْمَـاءِ مَقْطُـوبُ
| ||
كَــانَّ فِي الْخِدْرِ قَــرْنَ الشَّمْسِ طَالِعَةً
| ||
لَمَّـا دَنَا مِنْ جِمَارِ النَّاسِ تَحْصِيبُ
| ||
حيث يشبه ممدوحه وهو في خيمته عند دنو رمي الجمار بمكة في موسم الحج بقرن الشمس الطالعة وهي ساعتها أحسن ما تكون وضاءة وإشراقًا ، ومثل هذه الصورة قد تختلط بسياق الغزل خاصة من وجود شبه الجملة في الخدر المرتبط بالمرأة ارتباطًا تلازميًّا ؛ بيد أن الشاعر هنا إنما يمدح أيوب بن سليمان بن عبد الملك الأمير القائد الذي يبدو أنه قد كان وضيء الوجه ، جميله وهو ما يبدو من قول جرير في القصيدة نفسها [ بسيط ] () :
إِنَّ الإِمَــامَ الَّذِي تُرْجَى نَوَافِلُــــــهُ
| ||
بَعْـــــدَ الإِمَـــامِ وَلِــيُّ الْعَهْـــدِ أَيُّــوبُ
| ||
مُسْتَقْبَلُ الْخَيْرِ لاَ كَابٍ وَلاَ جَحِدٌ
| ||
بَـــــدْرٌ يَغُــمُّ نُجُــومَ اللَّيْـــلِ مَشْبُـــوبُ
| ||
والتصوير بالبدر ـ لا شك ـ يستدعي جمال وجه الأمير أيوب بن سليمان ووضاءته التي تكاد تستر من شدتها نجوم الليل ، فكأن وضاءته تفوق وضاءة نجوم الليل كما يستدعي التصوير بالبدر العلوّ والشرف والرفعة التي تتناسب وبيت الخلافة وكذلك مقام الممدوح ولي العهد الذي عهد له أبوه سليمان بن عبد الملك بالخلافة بعده ، غير أنه تُوفِّيَ قبله () 0
والتشبيه بالشمس في سياق المدح نجده عند السيد الحميري الشاعر الشيعي في قوله [ سريع ] () :
وَرَايَــــةٌ قَـائِدُهَـا وَجْـهُـهُ
| ||
كَأَنَّهُ الشَّمْسُ إِذَا تَطْلُــعُ
| ||
فتشبيه الوجه بالشمس ـ من خلال دالة التشبيه والتوكيد كأنّ ـ عندما تطلع فيه إشارة إلى وضاءة وجه الممدوح وإشراقه وجماله مع استدعاء طهارة الأصل ونقائه ، وربما كان السيد الحميري في هذا التشبيه متأثرًا بتشيعه واعتقاده بالعقائد الشيعية ومنها عقيدة الرجعة التي تذهب إلى عدم موت أئمتهم ، بل إنهم يرجعون بعد الموت ، وربما ارتبطت بالرجعة الشيعية هذه رجعة الشمس بعد غيبتها الليلية كما أن " آخر إمام يتولونه ـ الشيعة ـ لا يموت بل هو حيٌّ باقٍ ، يرجع حين يؤذن له فيملأ الأرض عدلاً كما ملئتْ جورًا " () ويقول في مدح محمد بن علي أبي طالبٍ المعروف بمحمد بن الحنفية [ وافر ] () :
يَهُزُّ دُوَيْنَ عَيْنِ الشَّمْسِ سَيْفًا
| ||
كَلَمْعِ الْبَرْقِ أَخْلَصَهُ الْجِلاَءُ
| ||
تُشَبِّـــــهُ وَجْـهَـهُ قَــمَـرًا مُــنِـيرًا
| ||
يُضــــــــِيءُ لَـهُ إِذَا طَــــلَــــعَ السَّنَاءُ
| ||
فَــلاَ يَخْفَى عَلَى أَحَــــدٍ بَصِيـــرٍ
| ||
وَهَـلْ بِالشَّمْسِ ضَاحِيَةٌ خَفَـــــــاءُ ؟
| ||
فهو لكي يشبهه بالشمس المضيئة ، يقدم لذلك باستدعاء ما يدل على الضياء من مثل السيف الذي يلمع لمعانًا هو دون لمعان عين الشمس ، ومثل وجهه الذي يشبه القمر المنير عندما يظهر الضياء ، وكأنه هو الذي يُظهر الضياء ، ومن ثمة فإنه كالشمس في الضحى لا تخفى على كل بصير ، ويمدح الفرزدق الوليد بن يزيد فيقول [ طويل ] () :
طُبِعْتَ عَلَى الإِسْلاَمِ وَالْحَزْمِ وَالنَّدَى
| ||
أَلاَ إِنَّمَـــــــا تُبْـــــــدِي الأُمُـــورَ الطَّبَــــائِـــــــعُ
| ||
فَــــــــدَاكَ رِجَــــــالٌ أَوْقَــدُوا ثُــــــــمَّ أَخْمَـــدُوا
| ||
مَنَـــــــازِلُهُــمْ مِـــــنْ كُـــــلِّ خَـــــيْرٍ بَــــــلاَقِــــــعُ
| ||
أَرَى الشَّمْسَ فِيهَا الرُّوحُ سِيقَتْ هَدِيَّةً
| ||
إِلَيَّ وَقَـــــــدْ أَعْـــــــيَتْ عَلَيَّ الْمَضَـــاجِــــعُ
| ||
إنه الوصف بالجود والكرم ـ الندى ـ الذي طُبِع عليه الوليد بن يزيد ، فلم يكتسبه ولم يتطبّع به ؛ لأنه طبيعة فُطِر عليها ، وهذا الوصف يرصد به الفرزدق ممهِّدًا للبيت الثالث الذي يُشبه فيه الوليد بالشمس التي حملت إليه روحه وردّت عليه حياته بعدما أبتِ المضاجع أن تحمله ، ومن ثمة فالشمس في هذا السياق معادل للكرم والجود الذي أسبغه عليه الممدوح وبهما كانت حياته الذاهبة ، ويمدح إبراهيم بن هرمة شريفًا قرشيًّا فيقول [ كامل ] () :
كَــأَنَّ تَــلَأْلُــــــؤَ الْـــــمَـــعْرُوفِ فِيـــــــــهِ
| ||
شُعَاعُ الشَّمْسِ فِي السَّيْفِ الصَّقِيلِ
| ||
حيث قام بتجسيد الخير أو المعروف في شخص الممدوح في صورة بصرية هي صورة اللؤلؤ ذي اللمعان والبريق الذي يبدو على وجهه ، ثم شبه هذه الصورة البصرية للمعان المعروف في وجه الممدوح بشعاع الشمس والوجه الجامع بينهما اللمعان والبروز والانتشار الدال على امتداد خيره لكل الناس ، ومن ثمة فإن هذا المعروف ينعكس عليهم وضاءة كما ينعكس شعاع الشمس على السيف الصقيل فيزداد لمعانه ، على أن ذكر السيف الصقيل باستدعائه الحرب والقتال ، رغم ما فيه من دلالة على شدة العداوة وصعوبة المراس المستدعاة من الفرس الشموس ، أقول رغم ذلك كله فإن ذكر السيف الصقيل في إطار الوصف بالكرم والمعروف أمر غير مستساغ في سياق الدلالة المطروحة من البيت ، حتى وإن اعتذرنا عن الشاعر بالتجائه إلى التجسيد والتصوير الواقعي المنتزع من البيئة المحيطة به ، فقد كان في البيئة المحيطة غناء عن مثل هذا التناقض في الصورة الجامعة بين الرحمة في المعروف ، والقسوة المتضمنة دلاليًّا في السيف اللامع الصقيل
ويقول عمرو بن أحمر في يحيى بن الحكم بن أبي العاص والي المدينة لعبد الملك بن مروان [ بسيط ] () :
شَيْخٌ شَمُوسٌ إِذَا مَا عَزَّ صَاحِبُهُ
| ||
شَهْــمٌ وَأَسْمَــرُ مَحْبُـــوكٌ لَــــهُ عُــــذُرُ
| ||
ولعل في هذا الوصف بالشَّموس المستدعى من الحقل ا لدلالي للفرس ما يُكسب الممدوح الصفاتِ نفسها ، فهو عسِر في عداوته ، شديد على من عانده ، وخاصة إذا عزَّ الصاحب واستكبر وتعظَّم ، ويقول في القصيدة نفسها () :
كَأَنَّهُ صُبْحٌ يَسْرِي الْقَوْمُ لَيْلَهُمُ
| ||
مَــــاضٍ مِــنَ الْـــهِنْدُوَانِيَّــــــاتِ مُنْسَدِرُ
| ||
يَعْلُو مَعَدًّا وَيُسْتَسْقَى الْغَمَامُ بِهِ
| ||
بَـدْرٌ تَضَـــاءَلُ فِيهِ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ
| ||
وإذا كان قد وصفه في البيت السابق بصفة الشَّموس ، فإنه يمدحه هنا بوضاءة الوجه ، فهو كالصبح يُنير الطريق للسائرين الليل ، وفيه مضاء السيوف الهندوانية ، وله من الشرف والرفعة ما يعلو ويفوق به معدًّا بشرفها ورفعهتها ، ثم إن الخير يجري على يديه إذ يُستسقى الغمام به ، ولعل في استدعاء الصبح والعلوّ والغمام ، ما يستدعي ـ مكانيًّا ـ البدر الذي يشبه به ممدوحه ، وهو ليس أي بدْرٍ ، وإنما هو بدر تتضاءل بجانبه الشمس والقمر ، والبدر توظيف جمالي للمدوح 0
ويقول الفرزدق في مدح أسد بن عبد الله القسري [ طويل ] () :
وَمَنْ لَمْ يَكُ يُدْرِكْ بِحَيْثُ تَنَاوَلَتْ
| ||
بَجِيلَةُ مِنْ أَحْسَابِهَا حَيْثُ تَلْتَقِي
| ||
بَجِيلَةُ عِنْدَ الشَّمْسِ أَوْ هِيَ فَوْقَهَا
| ||
وَإِذْ هِيَ كَالشَّمْسِ الْمُضِيئَةِ يُطْرِقِ
| ||
إنه يمتدح القبيلة كلها بامتداحه هذا القائد الأموي المنتسب لتلك القبيلة بجيلة التي بلغت بالممدوح من المجد والشرف مكانًا عاليًا أدركت به الشمس ، أو تجاوزتها ـ أو هي فوقها ـ ومن لم يُدرك ذلك ، فإنه عندما ينظر إلى بجيلة فإنما ينظر إلى الشمس ؛ لأنها شبيهة بها ومن ثمة فإنه يُطرق من شدة إشراقها ووضاءتها بحيث لا يستطيع رؤيتها بعينه ، وعلى ذلك فإن مدحه أسد بن عبد الله إنما هو مدح للقبيلة كلها 0
وهذا الوصف بالإشراق وشدة الضياء واللمعان نجده عند الشاعر عدي بن الرقاع العاملي الذي يصف فرسان الوليد بن عبد الملك في واقعة مصعب بن الزبير [ متقارب ] () :
لَعَمْرِي لَقَدْ أَصْحَرَتْ خَيْلُنَـــا
|
بِأَكْنَــــــــافِ دِجْـــــلَةَ لِلْمُصْعَبِ
|
وَرَدْنَــــــــا الْفُـــــرَاتَ وَخَـــــابُـــــورَهُ
|
وَكَــــــانَــــا هُمَـــــا ثِقَـــةَ الْمَشْرَبِ
|
عَـــــلَى كُــلِّ رَبْوٍ تَرَى مُعْلِمًــــــــا
|
يُصَرِّفُ كَالْجَمَلِ الأَجْرَبِ
|
لَضَاحِيَــةُ الشَّمْسِ فِي رَأْسِــــه
|
شُعَــــــــاعٌ يُــــلأْلِئُ كَالْكَوْكَـــــــــبِ
|
فقد قدم صورة وصفية لهؤلاء الفرسان وهم على خيولهم وأماكنهم المشرفة العالية وكأنهم من شدة حماستهم وإقبالهم على قتال مصعب بن الزبير جِمال قوية تُصرّف بأسنانها ، وفوق رأس كلٍّ منهم بيضة أو خوذة بيضاء لامعة لمعان الشمس ، ويستدعي الأخطل صفة الشُّمْس الدالة على الصعوبة والشدة في مدحه عبد الملك بن مروان وبني أمية فيقول [ بسيط ] () :
شُمْسُ الْعَدَاوَةِ حَتَّى يُسْتَقَادَ لَهُمْ
| ||
وَأَعْظَمُ النَّاسِ أَحْلاَمًا إِذَا قَدَرُوا
| ||
لاَ يَسْتَقِلُّ ذَوُوُ الأَضْغَانِ حَرْبَهُمُ
| ||
وَلاَ يُبَيِّــــنُ فِي عِيـــدَانِهِــــمْ خَـــــوَرُ
| ||
حيث نجد ارتباط الوصف شُّمس بالجذر اللغوي لمادة شَمس من حيث الصعوبة وشدة العداوة التي تستدعي ما للشمس من صفات الحرارة واللهيب الذي لا يستطيع أحد أن يتحمله ، ومن ثمة فإن لهم من القوة وصعوبة العداوة بحيث لا يستطيع أحد أن يواجههم ، على أن هذه الصفة الشديدة ، وإن كانت قارّة فيهم ، إلا أنهم أعظم الناس حِلْمًا وصفحًا عند القدرة على العدو ، والشاعر ـ رغم مسيحيته ـ متأثر بالدين الإسلامي حيث يتناص و قول الله تعالى : ﴿ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [ آل عمران 134] ومع الحديث النبوي الداعي إلى العفو عند المقدرة ، فقد روى معاذ بن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من كظم غيظاً وهو قادر على أن ينفذه دعاه الله سبحانه وتعالى على رؤوس الخلائق يوم القيامة حتى يخيره من الحور العين ما شاء "() 0
ويقول يزيد بن مفرغ الحميري مادحًا [ طويل ] () :
أَغَرُّ يُوَارِي الشَّمْسَ عِنْدَ طُلُوعِهَا
| ||
قَنَــابِــلُـــهُ وَالقَيْــــــرَوَانُ الْــمُـــــكَــتَّبُ
| ||
حيث يصف ممدوحه بوضاءة الوجه ـ أغرّ ـ ومن شدة غرّته ووضاءته كأنه يواري الشمس ، فهي أقل منه وضاءة خاصة عند طلوعها ، وله من العزة والمنعة ما يبدو في قنابله وهي الطائفة من الناس أو الخيل ، وقيروانه التي تشير إلى الجيش أو القافلة ، ومن ثمة يكون استدعاء الشمس في هذا السياق للدلالة على وضاءة وجه الممدوح وجماله ، ويقول في مدح خالد بن أُسَيْد وسعيد بن عثمان [ خفيف ] () :
وَالْبَهَـــالِيــــلُ خَــــــالِــــــدٌ وَسَعِيــــدٌ
| ||
شَمْسُ دَجْنٍ وَوُضَّحٌ كَالْهِلاَلِ
| ||
ومما يلحظ على الصورة التشبيهية في هذا البيت أن الشاعر استخدم الجمع الدال على السيادة والشرف الجامع لكل خير في كلمة البهاليل ، وفصلها تفصيلا بخالد وسعيد ـ الطرف الأول من الصورة التشبيهية ـ وهما مثنى وليسا جمع ليناسب جمع البهاليل ، بيد أن سياق المدح قد يستدعي مثل هذا الانزياح اللغوي المنتج لدلالة المبالغة التي يُجسدها بالطرف الثاني للصورة التشبيهية وهو : شمس دجن ورشحه مؤكِّدًا من خلال الجملة العطفية التي ختم بها البيت بدلالتها على الوضاحة والوضاءة والبياض الشبيه ببياض الهلال ومن ثمة فإن الممدوحين في عينيْ الشاعر سيدان جامعان لكل خير ، ومن مظاهر هذه الخيرية وضاءة الوجه التي تجلو ظلمة الغمامة وبياض الوجه الشبيه ببياض الهلال في جلوته ظلام الليل 0
وفي مثل ذلك التصوير الشمسي للمدوح يقول زياد الأعجم في مدح عمر بن عبيد الله [ طويل ] () :
فَأَبْلِغْ أَبَــــا حَفْصٍ رِسَالَةَ نَاصِـــــحٍ
| ||
أَتَتْ مِنْ زِيَادٍ مُسْتَبِينًا كَلاَمُهَا
| ||
فَإِنَّكَ مِثْلُ الشَّمْسِ لاَ سِتْرَ دُونَهَا
| ||
فَكَيْفَ أَبَا حَفْصٍ عَلَيَّ ظَلاَمُهَا
| ||
حيث نلحظ مثل هذا التشبيه المباشر الذي يقدمه الشاعر لممدوحه ، فهو مثل الشمس لا شيء يسترها ، أو يقف أمامها ومن ثمة فإن ممدوحه لا شيء يعوقه أو يقف حائلاً دون ما يريد أن يحققه خاصة بعد أن وَلِيَ بلاد فارس ، ويمدح طُريح الثقفي المهلب في أبيات يقول منها [ طويل ] () :
قَنًـــــا لَـــــمْ يَضِرْهَـــــا فِي الْكَــرِيهَـةِ عِنْدَمَـا
| ||
طَــعَـنْـتَ بِـهَـــا أَنْ لاَ تَــسِــنَّ نِــصَــالَـهَا
| ||
وَلَمْ تَصْدُفِ الْخَيْلَ الْعِتَاقَ عَنِ الرَّدَى
| ||
مُحَـــــاذِرَةً لَــمَّـــــا وَزَعْــــتَ رِعَـــــالَــهَـــــــــا
| ||
لَــــــدَى هَــبْــوَةٍ مَـــا كَــانَ سَيْفُـكَ تَحْـتَهَـــا
| ||
وَوَجْــهُــكَ إِلاَّ شَـــمْسَـهَـــا وَهِـلاَلَـهَـــــــا
| ||
حيث نلحظ تشبيهه وجه الممدوح بالشمس والهلال في البيت الأخير ، والجمع بين الشمس والهلال مشبهيْن بهما للوجه وهو المشبه فيه استدعاء لدلالات الوضاءة وطهارة الأصل وسموه ورفعته ، ونقاء العرض والشجاعة التي لا تقف عند حد النهار باستدعاء الشمس ، أو الليل باستدعاء الهلال ، وهذه الصورة تستدعي كذلك كون التشبيه بالشمس ليس قاصرًا على المرأة باعتبار المرجعة الأنثوية للشمس في التفسير الميثولوجي ، كما أن التشبيه بالهلال ليس قاصرًا على الرجل في التفسير نفسه ، وإنما ما يستدعيه التشبيه بأيٍّ منهما إنما هو مرتبط بالدلالات المنوطة بالرجل أو بالمرأة في الذاكرة العربية القديمة 0
ويمتدح الكميت بن زيد خالد بن عبد الله في جوده وكرمه غير المسبوق ، فيستدعي الشمس والبدر قائلاً [ بسيط ] () :
أَنْسَيْتَنَا فِي النَّدَى أَسْلاَفَ أَوَّلِنَا
| ||
فَأَنْتَ لِلْجُـودِ فِيمَا بَعْدَنَا مَثَـلُ
| ||
الشَّمْسُ أَدَّتْكَ إِلاَّ أَنَّهَـــــا امْـــــرَأَةٌ
| ||
وَالْبَـــــدْرُ أَدَّاكَ إِلاَّ أَنَّهُ رَجُــــــــلُ
| ||
إن استدعاء الشمس مرادًا بها الأم ، والبدر مرادًا به الرجل ، قد دفع البعض إلى اعتبار الصورة هنا صورة أسطورية ، وأن الكميت متأثر في صياغتها بالشعر الجاهلي الضارب بجذور عميقة في التأثر بالفكر الأسطوري ، ما دامت الشمس امرأة / أنثى ، وما دام القمر/ البدر رجلاً / ذكرًا ، وأن التصوير عند الكميت ليس للجمال والوضاءة وإنما هو التقديس والتعظيم المتصل بحد العبادة ، وأن القرآن الكريم قد أكد ذلك في قصة رؤيا نبي الله يوسف عليه السلام ﴿ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا والشِّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِين ﴾[ سورة يوسف 4] وتفسير الشمس والقمر على أنهما أمه وأبوه ، وأما الكواكب ، فكانوا إخوته () 0
بيد أن النص القرآني الكريم لم يُشر ـ من قريب أو بعيد ـ إلى كون الشمس والقمر معبودين مقدسين ، وإنما جعلتهما رؤيا يوسف عليه السلام يسجدان له بأية كيفية كان السجود إيماءة أو إشارة ، أو دلالة ، وليست على السجود الحقيقي ، بيد أننا إذا اقتفينا ظاهر النص وبنيته السطحية أيقنا أن الشمس والقمر في الرؤيا التي قصَّها القرآن الكريم كانا ساجديْنِ له عليه السلام ، والسجود في النص القرآني دال على الخضوع ليوسف عليه السلام ومكانته من أهله ومن المصريين كذلك ، ومن ثمة فكيف يمكن القول مع الميثولوجيين بأن " الشمس مع الزهرة والقمر تكوِّن الثالوث الإلهي الرئيسي " () ؟! والشمس والقمر منها تسجد خاضعة لهذا النبي البشري وهو لما يزل في طور الصبا ؟ 0
إن الأمر لا يعدو أن يكون تقليدًا فنيًّا توارثه الشعراء متأثرين بالشعراء الجاهليين الذين شبهوا المرأة بالشمس ، مثلما شبهوا الرجل بالشمس ، وشبهوا المرأة بالبدر والقمر مثلما شبهوا الرجل به ، دون أن يدخل الأمر في نطاق الفكر الأسطوري الذي إن جاز اعتماده في تفسير الشعر الجاهلي حيث غياب المرجعية الدينية وسيطرة المعتقد الوثني على الكثير من العرب شعراء وغير شعراء في العصر الجاهلي ، فلا أحسب إجازته على الشعراء ممن أتوا بعد الإسلام أو على شعرهم الذي أثر فيه الإسلام التأثير الواضح ، فإن الإسلام ـ فكره وحضارته ـ قد طوَّر العقلية العربية القديمة ، وخلصها من عبادة الشرك والقوى الروحية والغيبية وأخلصها لعبادة الله الواحد الأحد 0
ويقول ذو الرمة في مدح هلال بن أبي بردة [ وافر ] () :
فَقَــــــدْ رَفَــــــعَ الإِلَــهُ بِكُــــلِّ أُفْــــــقٍ
| ||
لِضَوْئِكَ يَا بِـــــلاَلُ سَنًـــــــا طِــوَالاَ
| ||
كَضَوْءِ الشَّمْسِ لَيْسَ بِهِ خَفَــاءٌ
| ||
وَأُعْـــــطِيتَ الْمَهَــــابَةَ وَالْجَمَـــــالاَ
| ||
أَشَـــــمُّ أَغَــــــــرُّ أَزْهَـــــــــرُ هِـــــبْــــــرِزِيٌّ
| ||
يَعُــــــدُّ الـــرَّاغِــــبِـــيـــنَ لَــــــــهُ عِيـــــَالاَ
| ||
إن الضوء والسنا الطويل وهو النور الذي يصف به بلالاً قد استدعيا الصورة التشبيهية في صدر البيت الثاني ، يشير إلى ما للممدوح من وضاءة وجمال ، فهو يشع نورًا عاليًا كضوء الشمس الذي لا يخفى على أحدٍ من الناس ، ولا يُخفيه شيء ، ومن ثمة فإن ضياء الممدوح معروف لا يخفى على أحد ؛ ولذلك فقد جمع له في البيت الثالث من صفات العلو والرفعة أشم ، والوضاءة والجمال : أغرّ أزهر ، والمضاء دون حاجز يحجزه : هِبرِزِيٌ وقد استدعى ذلك كله مدحه بسعة الكرم عندما يعُد الطالبين الراغبين في نواله عيالاً له تلزمه كفالتهم 0
ويقول أبو النجم العجلي في مدح رجل [ رجز ] () :
وَمُشْرِقٍ يَنْدَى مِنَ الْعِتْقِ نَدَى
|
كَــأَنَّـهُ قِــرْنٌ مِــنَ الشَّمْسِ بَــــدَا
|
فإن وجه هذا الممدوح قد بلغ من الجمال والشباب ـ العتق ـ حدًّا جعل هذا الجمال على وجهه كالندى ، وهو في هذه الصورة التشبيهية في الجمال والوضاءة شبيه بقِرْن الشمس عندما تظهر في الصباح الباكر 0
وفي إطار التشبيه بالشمس في سياق المدح نجد بعض الشعراء لا يقصرون مدحهم للرجل بتشبيهه بالشمس ، وإنما يمدحون المرأة مدحًا لا ينتمي إلى سياق الغزل بالأنثى ، وإنما ينتمي إلى سياقات التقدير والتعظيم والتبجيل الذي نراه في قول ابن قيس الرقيات للسيدة سكينة بنت الحسين [ كامل ] () :
ظَعَنَ الأَمِيرُ بِأَحْسَنِ الْخَلْقِ
مَرَّتْ عَلَى قَرْنٍ يُقَادُ بِهَا وَبَدَتْ لَنَا مِنْ تَحْتِ كِلَّتِهَا |
وَغَدَا بِلُبِّكَ مَطْلِعَ الشَّرْقِ
جَمَلٌ أَمَامَ بَرَازِقٍ زُرْقِ كَالشَّمْسِ أَوْ كَغَمَامَةِ الْبَرْقِ |
حيث يستخدم حسه في تأليف صورته الشعرية المعتمدة على الحركية البادية في ارتحال الأمير مصعب بن الزبير بالممدوحة من ناحية الشرق مارة بهذا الموضع قرن وأمامها أعداء كالحديد زرق ، وهي من وراء سترها الشفيف تبدو وضَّاءة كالشمس ، أو كالسحابة البارقة في لمعانها 0
ويقول الأخطل في مدح عباد بن زياد بن أبيه [ طويل ] () :
يَعُمْنَ بِنَا عَوْمَ السَّفِينِ إِذَا انْجَلَتْ
| ||
سَحَــــــابَةُ وَضَّــــــاحِ السَّــــــرَابِ خَبُــــوبِ
| ||
إِلَيْـــــكَ أَبَــــــا حَـرْبٍ تَــدَافَعْـنَ بَعْدَمَـــا
| ||
وَصَـــــلْنَ لِشَـمْسٍ مَــطْــلِعًــــــا بِـــغُـــــــرُوبِ
| ||
إِلَى مُسْتَقِلٍّ بِالنَّــــــوَائِبِ وَاصِــــلِ الْــ
| ||
قَـــــرَابَــــةِ فَـــيَّــــــاضِ الْـــيَــدَيْـــــنِ وَهُــــــــوبِ
| ||
فهو يصور العناء الذي تكبده مريدو عطاء الممدوح حيث ركوبهم النوق التي تعوم بهم في الصحراء عوم السفين ، ويتدافعْن إلى الممدوح ـ أبي حربٍ ـ وقد سارت النهار كله منذ مطلع الشمس حتى غروبها ؛ لتصل إلى هذا الممدوح المعروف بصلة الأرحام ، وكثرة العطاء ـ وَهوب ـ ومن ثمة فإن الشمس هنا واقعية مستدعية طول النهار يقطعه المريدون من أجل الوصول إلى الممدوح الذي لن يخيب رجاءهم وقد نال منهم التعب ، وأصابتهم الشمس منذ مطلع النهار إلى مغيبه ، وتلك المكابدة التي يضعها بين يديْ ممدوحه مما يعين على استدرار عطفه وعطائه 0
ويستدعي الفرزدق الشمس عندما يمدح أبا الأشبال فيقول [ بسيط ] () :
إِنِّي رَأَيْتُ أَبَا الأَشْبَالِ قَـــدْ ذَهَبَتْ
| ||
يَــدَاهُ حَتَّى تُــلاَقِي الشَّمْسَ وَالْقَمَـرَا
| ||
ولعل في ذهاب اليدين بعيدًا حتى تلاقيا الشمس والقمر ما يدل على غزارة جوده ، واتساع كرمه الذي لا يحده حد ، كما أن في استدعاء الشمس والقمر ، وإن دل على سعة كرمه ، ما يستدعي صفة العلو والشرف التي نراها في شعر الفرزدق من مثل مدحه ابن سُكين عمر بن هبيرة الفزاري بأن مجده من العلوِّ بحيث يتوجب على من يجاريه الصعود إلى حيث الشمس والقمر [ 1/ 543] ومدحه العباس بن الوليد بن عبد الملك الذي يقول فيه [ بسيط ] () :
لأَمْـــــدَحَـــنَّـــكَ مَــــدْحًـــــــا لاَ يُــــــوَازِنُــــــهُ
| ||
مَـــدْحٌ إِذَا أَنْشَدَ الـــرَّاوِي بِـــهِ هَـــــدَرَا
| ||
وَالْقَوْمُ لَوْ بَادَرُوكَ الْمَجْدَ لاَعْتَرَفُوا
| ||
عَلَيْهِمُ فِي يَدَيْكَ الشَّمْسَ وَالْقَمَـــرَا
| ||
فالممدوح قد بلغ من المجد والشرف مكانة هو جدير بها ومستحق لها ، أو كأنه يتحكم في المجد والشرف ويسيطر عليهما بدلالة كون الشمس والقمر في يديه ، ويقول في مدح مالك بن المنذر واستعطافه ؛ إذ كان قد أمر بحبسه [ طويل ] () :
أَقُـــــــولُ لِــنَــفْـــــــسٍ لاَ يُـــجَــــــادُ بِـمِــثْــلِهَــــــا
| ||
أَلاَ لَيْتَ شِعْـــــرِي مَــــا لَهَـــــــا عِنْـــــدَ مَـــــــالِكِ
| ||
لَهَــا عِنْدَهُ أَنْ يَرْجِعَ الْيَوْمَ رُوحُهَــا
| ||
إِلَيْهَــــا وَتَــنْجُـــــــو مِــــــــنْ حِــــــذَارِ الْمَهَــــــالِكِ
| ||
وَأَنْتَ ابْــــــنُ جَبَّــــــارَيْ رَبِيعَـــــةَ حَــــلَّـــقَــتْ
| ||
بِكَ الشَّمْسُ فِي الْخَضْرَاءِ ذَاتِ الْحَبَائِكِ
| ||
والفرزدق في استعطافه ابن المنذر يقدم بين يديه ما يشير إلى ضعفه ودونيته مقابل المستعطَف الذي يُظهره في صورة الجبار ما دام ابن الجبارين ، ثم إنه يأتي بالشمس في صورة استعارية آخذةً بيد مالك لتحلق به في السماء مصورة مدى شرفه وعلوِّ مجده ، ويقول في نصر بن سيار [ طويل ] () :
لَوْ كُنْتَ حَيْثُ انْصَبَّتِ الشَّمْسُ لَمْ تَزَلْ
| ||
مُــــــعَــــــلَّـــقَــــــةً هَــــــــامَــاتُنَـــــــــا بِــــرَجَــــــــائِكـَا
| ||
وَيَــــــــوْمَــــــاكَ يَـــــــوْمٌ مَــــــا تُـــــوَازَى نُجُـــومُــــــــهُ
| ||
كَــــــرِيهٌ وَيَــــــوْمٌ مَــــاطِــــــرٌ مِـــنْ عَطَــائِكَــــا
| ||
إذ يشير إلى أن هاماتهم معلقة برجاء الممدوح مهما كان مكانه ، ولو أنه في السماء حيث الشمس لظلوا ينظرون إليه منتظرين عطاءه الغزير كأنه المطر النازل من السماء ، والنزول من السماء ، والمكان حيث انصبت الشمس ، كلها أوصاف تستدعي الكرم والمجد والعُلوّ والشرف ، وهو ما نجده كذلك في مدحه ابن هبيرة الذي التقت له بالسعود الشمس والقمر [1/ 381] وانطلق عمر بن عبد العزيز بمجده حتى أدرك الشمس [2/202] وأبو بلال بن أبي بردة قد بنى مجدًا لا يطاوله أحد من الناس إلا من تَصَعَّد إلى السماء [2/244] ولمالك بن المنذر من المآثر ما ارتفع به شرفًا ومجدًا كأنما صعد به إلى السماء بسلم هو سلم المجد [2/467] وأم جميل بن حمران الفزاري ذات مجد نالت به السماء [2/605] 0
وفي ضياء ما قدمته من أبيات الشعر الأموي في سياق المدح وجدنا الشعراء يشبهون ممدوحيهم بالشمس لدلالة من ثلاث دلالات : الوضاءة والجمال ، الكرم والجود ، الشرف والرفعة وهذه الأخيرة قد تستدعي دلالات القوة والشجاعة وشدة البأس ، وهي ترتبط بصورة أو بأخرى بالدلالات اللغوية لمادة شمس إلى جانب ارتباط بعض هذه الدلالات بما ارتبط بالمرأة من تشبيه بالشمس ، على أننا نجد في سياق المدح مجيء دالة الشمس مرادًا بها الدلالة الواقعية للشمس باعتبارها ذلك النجم السماوي المعروف ، من ذلك قول السيد الحميري في مدح أمير المؤمنين [ كامل ] () :
خَيْرُ الْبَرِيَّةَ بَعْدَ أَحْمَدَ مَنْ لَهُ
| ||
مِنِّي الْهَوَى وَإِلَى بَنِيهِ تَطَرُّبِي
| ||
أَمْسَى وَأَصْبَحَ مُعْصِمًا مِنِّي لَهُ
| ||
بِهَوًى وَحَبْلِ وِلاَيَةٍ لَمْ يُقْصَبِ
| ||
وَنَصِيحَةٍ خَلُصَ الصَّفَاءُ لَهُ بِهَا
| ||
مِنِّي وَشَاهِدِ نُصْرَةٍ لَمْ يَعْزُبِ
| ||
رُدَّتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ لَمَّا فَاتَهُ
| ||
وَقْتُ الصَّلاَةِ وَقَدْ دَنَتْ لِلْمَغْرِبِ
| ||
حَتَّى تَبَلَّجَ نُورُهَا فِي وَقْتِهَا
| ||
لِلْعَصْرِ ثُمَّ هَوَتْ هُوِيَّ الْكَوْكَبِ
| ||
إن الشمس هنا واقعية تشير إلى النهار حيث وقت صلاة العصر التي يجب أن تُصلّى فيه الصلاة قبيل غروبها ، ولكنها غربتْ مما يشير إلى فوات وقت الصلاة ، وهنا تظهر كرامة الإمام ـ كما يقول الشاعر ـ إذ رُدّت عليه الشمس ؛ ليصلي حاضرًا هو وأصحابه ، والأبيات فيها تناص شيعي مع ما نُسب من حديث رد الشمس للإمام علي وذلك عند الشيعة في موقفين أولهما مع النبي صلى الله عليه وسلم ، وثانيهما عندما أراد الإمام علي أن يعبر نهر الفرات ببابل ، وحديث الرد هذا من الأحاديث الشيعية الموضوعة ، وقد بيَّن الإمام ابن تيمية بطلانه في كتابه منهاج السنة وأشار إلى أبيات السيد الحميري تلك () ولعل في هذه الأبيات وغيرها مما يشير إلى الغلوّ الشيعي المبالغ فيه ، على أننا قد ننظر إلى رد الشمس هنا من خلال استدعاء الأثر الديني الوارد في حبس الشمس لنبي الله يوشع بن نون عليه السلام عندما غزا قرية وقد دنت صلاة العصر " 0000فقال للشمس : إنك مأمورة وأنا مأمور ، اللهمَّ احْبِسْها علينا ، فحُبسَتْ حتى فتح الله عليهم ، فجمع الغنائم 000 " () 0
وترد الشمس دالة زمنية على فترة معينة من اليوم قد تكون وقت المغيب في قول ذي الرمة واصفًا الظباء [ بسيط ] () :
كَأَنَّ أُدْمَانَهَا وَالشَّمْسُ جَانِحَةٌ
| ||
وَدْعٌ بِأَرْجَائِهَـــــــــا فَـــــــضٌّ وَمَـــنْــظُومُ
| ||
إنه وقت الغروب حيث جنوح الشمس وميلها للغروب ، وهي آنئذٍ تكون من الضعف بحيث لا يغلب ضوؤها بياض الظباء ، ومن ثمة اختار هذا الإطار الزمني ليبرز الصورة التشبيهية للظباء عندما شبهها في بياضها ببياض الودع ، ومن ثمة فالشمس هنا إطار زمني يؤطر اللوحة التصويرية ، ورغم الدلالة الزمنية للشمس هنا ، فإن لها أثرًا على بنية الصورة ودلالاتها ؛ لأن ضعف الشمس في فترة الغروب يُجلِّي بياض الظباء ولا يحجبه ، وهو تأثير نراه على الندى الذي يتحول إلى صورة شبيهة باللؤلؤ في اللمعان في قوله من القصيدة ذاتها () :
وَحْفٌ كَأَنَّ النَّدَى وَالشَّمْسُ مَاتِعَةٌ
| ||
إِذَا تَــــــــوَقَّـدَ فِي أَفْنَـــــانِـــــهِ الــتُّــــــــــــومُ
| ||
وتأثير الشمس هنا أنها عندما تكون ماتعة أي مرتفعة ، تزيد في بياض الندى الساقط على أوراق النبات بحيث يبدو وكأنه اللؤلؤ أي كالقرط في لمعانه ، وهي صورة جمالية تستدعي صورة انتشار الشمس على النبات فيما يتركه لمعان الندى على النبات ذي الأصول الكثيرة الملتفة 0
ويتخذ الطرماح من غروب الشمس زمنًا يطلق فيه العنان لعينيه تذرف دموعها متذكرًا صدود محبوبته عنه ، فيقول [طويل ] () :
أَلاَ مَنْ لِعَيْنٍ لاَ يَجِفُّ سُجُومُهَا
| ||
تَـــأَوَّبُـــهَــــــــــا حَــــــاجَــاتُهَـــــــا وَهُــمُــومُــهَـــــــا
| ||
تُوَافِي غُرُوبَ الشَّمْسِ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ
| ||
كَشَنِّ شَعِيبٍ لَـــمْ تُسَـــــدَّدْ هُــزُومُهَــــا
| ||
إن غروب الشمس يؤذن بدخول الليل وهو مجمع الهموم والأحزان في الذاكرة الشعرية القديمة ، حيث تتجمع حاجات العين ـ الشاعر ـ وهمومها في هذا المناخ الزمني ، فتسيل دموعها سيلانًا يشبه في غزارته سيلان الماء من خروق المزادة 0ويتخذ عبد الله بن الزبير الأسدي من غروب الشمس زمنًا يكشف فيه عن معاناته في طلب الجود من عبيد الله بن زياد فيقول [ طويل ] () :
عَشِيَّــــةَ قَـــالَتْ وَالرِّكَـــــــابُ مُنَــــاخَـــــــةٌ
| ||
بِأَكْوَارِهَـــــا مَشْــــدُودَةً أَيْــــنَ تَــذْهَــــــبُ
| ||
أَفِي كُــــلِّ مِصْـرٍ نَـــازِحٍ لَكَ حَــاجَــــةٌ
| ||
كَــذَلِكَ مَـــــا أَمْــــرُ الْـفَتَى الْمُـتَشَـعِّـبُ
| ||
فَــــــــوَ اللهِ مَـــــــا زَالَــتْ تُـلَــبِّثُ نَـــاقَــــتِي
| ||
وَتُقْسِمُ حَتَّى كَادَتِ الشَّمْسُ تَغْرُبُ
| ||
حيث نلحظ نزوحه على لسان ليلى التي تعاتبه بكثرة الترحال وراء حاجاته ، وذلك ما يجعل أمره عليه متفرقًا متشعبًا ، ويؤكد هو ذلك من خلال ناقته التي تشاركه ارتحاله بيْد أنها ظلت مناخة في أكوارها ساكنة بفعل المرأة وسؤالها إياه حتى كادت الشمس تغرب في إشارة إلى مدى إلحاح المرأة في لومها وعتابها إياه على كثرة الترحال والنزوح وما يترتب عليه من إهمال شأنها 0
وفي مصاحبة سردية ساخرة يحدثنا أبو الفرج الأصفهاني () عن الشاعر الأقيشر الأسدي الذي يمر برجل اسمه هشام استعمله عمرو بن حُريث والي الكوفة للأمويين على الشرطة ، ويبدو أن الأقيشر كان قد أصابه السُّكْر ، فاختبره هشام على سُكره ، ولكن الأقيشر أنكر ذلك ، ولما سأله عمرو بن حريث عن الصلاة التي يصليها في اليوم ليتأكد من عدم سُكره وغياب عقله ، رد عليه الأقيشر بمقطعة شعرية من سبعة أبيات يذكر فيها أوقات الصلوات الخمس التي يصليها في اليوم ، مستخدمًا الشمس في دلالتها الزمنية الخالصة وذلك قوله عن الصلوات التي يصليها أثناء النهار والشمس طالعة ، وتلك التي يصليها والشمس غائبة ، وذلك أثناء الليل ، وذلك قول الأقيشرالأسدي [ وافر ] () :
وَعِنْدَ مَغِيبِ قَرْنِ الشَّمْسِ وِتْرٌ
| ||
وَشَفْعٌ بَعْدَهَا فِيهِنَّ حَبْسُ
| ||
وَغُدْوَةً اثْنَتَانِ مَعًا جَمِيعًا
| ||
وَلَمَّا تَبْدُ لِلرَّائِينَ شَمْسُ
| ||
فعند مغيب الشمس يُصلي وِترًا ـ ثلاث ركعات ـ هي صلاة المغرب ، وقبل أن تبدو الشمس هناك ركعتا الفجر ، ومن ثمة فإن الشمس هنا قد استخدمها الشاعر في دلالتها الزمنية للإشارة إلى أوقات الصلاة ، ويشير السيد الحميري إلى الأوقات التي كان علي بن أبي طالب رضي الله عنه يدخل فيها على النبي صلى الله عليه وسلم ، فيقول [ طويل ] () :
وَكَانَ لَهُ مِنْ أَحْمَدٍ كُلَّ شَارِقٍ
| ||
قُبَيْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ أَوْ حِينَ تَنْجُمُ
| ||
إِذَا مَا بَدَتْ مِثْلَ الطِّلاَيَةِ دَخْلَةٌ
| ||
يَــــقُـــــــــومُ فَـــــــيَـــــأْتِي بَـــــــــابَـــهُ فَــيُسَــــــلِّـــــمُ
| ||
حيث كان يدخل على النبي صلى الله عليه وسلم في اليوم ـ شارق ـ مرتان ، الأولى قبيل طلوع الشمس ، والثانية عند دخول الليل وظهور النجوم ، ومن ثمة فالشمس هنا ذات دلالة زمنية خالصة ومخصصة بقبيل طلوعها ، والمراد بعد صلاة الفجر 0
وثمة أمر أخير نلمحه من خلال توظيف الشعراء الأمويين دالة الشمس في أشعارهم وهو مجيء دال شمْس مقترنة بدالة عبد في إشارة قد تستدعي عبد شمس وقد أشرنا من قبل إلى كونه اسم قبيلة من قبائل قريش ، تنسب إلى عبد شمس بن عبد مناف بن قُصَي ، وهو الشقيق التوأم لهاشم بن عبد مناف جد النبي محمد صلى الله عليه وسلم () جد بني أمية ، وقد يستدعي غيره ممن تسموا بهذا الاسم 0
ولعلنا ندرك أن توظيف الأعلام في الشعر العربي قد يجيء على صورتين : الأولى منهما هي الدلالة المباشرة التي تتجلى بوضوح في سياقات المدح عندما يُذكر اسم الممدوح ، وقد تستدعي دلالات سياقية متعددة ؛ لأنها " تحمل تداعيات معقدة تربطها بقصص تاريخية أو أسطورية ، وتشير قليلاً أو كثيرًا إلى أبطالٍ وأماكن متباعدة في الزمان وفي المكان " () ومن خلال هذا المنظور يمكننا إدراك سر توظيف اسم العلم عبد شمس في سياقات الشعر الأموي ، هذا العَلَم المرتبط في الجاهلية بتقديس العرب للشمس ـ على ما مرّ ـ حتى أنهم كانوا يتسمون بهذا الاسم المرتبط في الشعر الأموي بكونه الجد الأكبر لمعاوية بن أبي سفيان مؤسس الدولة الأموية ، فالفرزدق يمدح يزيد بن عبد الملك بن مروان فيقول [ طويل ] () :
وَإِنَّ لَكُــمْ عِيصًا أَلَـــفَّ غُصُـــونُهُ
| ||
لَهُ ظِلُّ بَيْتَيْ عَبْدِ شَمْسٍ وَهَاشِمِ
| ||
إذ يستدعي أصل يزيد بن عبد الملك بذكر بيتيْ عبد شمس وهاشم ، وهما الأخوان التوأمان ـ كما سبق ـ لأبيهما عبد مناف ، وذكرهما يستدعي ما أنيط بهما من الشرف الماثل في خدمة البيت الحرام حيث اختص كل منهما ببعض مكارم خدمة البيت الحرام وحجيجه من مثل السقاية والحجابة والسدانة والوفادة ، وهو الشرف الذي يدل عليه العيص بالمرجعية اللغوية الدالة على الأصل الطيب أو منبت الخير 0
ويستدعي الفرزدق عبد شمس وهاشم في سياق المدح فيقول [ طويل ] () :
وَلَوْ سُئِلَتْ مَنْ كُفُؤُ الشَّمْسِ أَوْمَأَتْ
| ||
إِلَى ابْنَيْ مَنَافٍ عَبْدِ شَمْسٍ وَهَاشِمِ
| ||
وربما كان الخطاب هنا مرتبطًا بالشمس التي لو سألها سائل: مَنْ كُفُؤُ الشمس ؟ تِربها ونظيرها شرفًا وعزة دون استبعاد الجمال اللوني ، لأجابت الشمس من فورها : إن من يكافئها ويناظرها هما ابنا عبد مناف : عبد شمس وهاشم ، وعندما يعاتب معاوية في شأن مال الحتات الذي أمر معاوية برده إلى بيت المال بعد موت الحتات ، فإنه ـ الفرزدق ـ يفخر عليه بقوله [ طويل ] () :
وَكَــــــمْ مِـــــــــنْ أَبٍ لِي يَـا مُعَاوِيَ لَمْ يَزَلْ
| ||
أَغَرَّ يُبَـــارِي الرِّيــــحَ مَـــــا ازْوَرَّ جَـــــــانِبُـهْ
| ||
نَمَتْــــــهُ فُــــــــرُوعُ الْمَــالِـكَيْنِ وَلَـــــمْ يَـــكُـــــنْ
| ||
أَبُوكَ الَّذِي مِـنْ عَبْدِ شَمْسٍ يُخَاطِبُهْ
| ||
تَــــرَاهُ كَـــنَصْـــــلِ السَّيْفِ يَــهْـتَـــــزُّ لِلنَّــــدَى
| ||
جَوَادًا تَلاَقَى الْمَجْدَ مُذْ طُرَّ شَارِبُهْ
| ||
طَوِيلِ نِجَادِ السَّيْفِ مُذْ كَانَ لَمْ يَكُنْ
| ||
قُصَيٌّ وَعَبْدُ الشَّمْسِ مِمَّنْ يُخَاطِبُهْ
| ||
ولا شك أن الإلحاح على ذكر عبد شمس أو عبد الشمس ، ونسبة أبوة معاوية بن أبي سفيان إليه لدليل على أن الشاعر إنما يستدعي الجذور الأصيلة الضاربة في أعماق الشرف والرفعة والعزة ، ليجعلها دون آبائه الذين بلغوا من العزة والمنعة والجود والندى حدًّا حال دون أن يكون أجداد معاوية ذوو الشرف والعزة والرفعة ممن يخاطبونهم ونلحظ الفرق بين عبد شمس ، وعبد الشمس من حيث التنكير والتعريف حيث دلالة الأولى على عموم الانتساب ، في حين دلت الثانية على الخصوصية المنوطة بالتعريف المراد به جد معاوية 0 ويقول من مدحه الوليد بن عبد الملك [ طويل ] () :
وَمِنْ عَبْدِ شَمْسٍ أَنْتَ سَادِسُ سِتَّةٍ
| ||
خَـــــلاَئِفَ كَــــانُـــوا مِـنْهُــمُ الْعَــمُّ والأَبُ
| ||
فالوليد بن عبد الملك بن مروان من بني عبد شمس ذوي الفضل والشرف ، وهو الخليفة السادس من خلفاء الأمويين بني أمية بن عبد شمس وهم على الترتيب : معاوية بن أبي سفيان – يزيد الأول بن معاوية بن أبي سفيان – معاوية الثاني بن يزيد بن معاوية – مروان الأول بن الحكم – عبد الملك بن مروان بن الحكم ، ثم الوليد بن عبد الملك بن مروان 0
ويمدح الراعي النُّميْري بشر بن مروان بعلو المكانة في أي مكان ينزل فيه من آل عامر أو من عبد شمس ، فيقول [ طويل ] () :
نَزَلْتَ مِنَ الْبَيْضَاءِ فِي آلِ عَامِرٍ
| ||
وَفِي عَبْدِ شَمْسَ الْمَنْزِلَ الْمُتَعَالِيَا
| ||
وإذا كان آل عامر وعبد شمس ذوي مكانة عالية ، فإن الممدوح قد تبوأ أعلى ما في هذه المكانة العالية 0ويقول كُثَيّر في مدح عبد الملك بن مروان [ طويل ] () :
يُــحَيُّـــــونَ بُـــــهْـــلُــولاً بِــــــــهِ رَدَّ رَبُّـــــــهُ
| ||
إِلَى عَبْـــــدِ شَمْسٍ عِزَّهَـــا وَجَمَالَهَـــا
| ||
فأهل بيت الخليفة الجالسون معه والأرداف الذين لا يشربون ولا يأكلون إلا من بعده يحيونه ؛ لأنه البهلول السيد الشريف الذي أعاد الله به إلى عبد شمس عزها وجمالها ، ولذلك يخاطبهم كُثير في موضع آخر من القصيدة عينها قائلاً :
فَـــــلاَ تَكْفُرُوا مَــــــرْوَانَ آلاَءَ أَهْـــلِــهِ
| ||
بَـــنــِي عَـبْـــدِ شَمْسٍ واشْــكُـــرُوهُ فِـــعَـــــالَهَـــا
| ||
إذ يدعوهم ألا يجحدوا نعم عبد الملك بن مروان وفضله وأهله ـ بني عبد شمس ـ وعليهم أن يشكروا لهم فِعالهم ، ويقول عن مروان بن الحكم [ طويل ] () :
أَبُـــوكُــمْ تَــــلاَفَى يَـــــوْمَ نَـقْـعَــاءِ رَاهِـــطٍ
| ||
بَنِي عَبْـــدِ شَمْسٍ وَهْيَ تُنْفَى وَتُقْتَـلُ
| ||
إنه يمدح عبد الملك بن مروان مستدعيًا الجذور حيث دور أبيه مروان بن الحكم الذي تدارك بني عبد شمس يوم معركة مرج راهط ، واستنقذ الدولة من الضياع وثبتها في بني أمية 0 وقد يكون اسم العَلَم عبد شمس غير الجد الأعلى لبني أمية وهو عبد شمس ، وذلك ما يبدو من قول عبيد الله بن قيس الرقيات في مدح مصعب بن الزبير والفخر بقريش [ خفيف ] () :
أَقْفَـــرَتْ بَعْــــدَ عَبْـــدِ شَمْسٍ كَدَاءُ
| |||
فَــــكُـــــــدَيٌّ فَــــالـــــرُّكْـــــــنُ فَـــالْــبـــَطْحَـــاءُ
| |||
فَمِنًى فَالْجِمَارُ مِنْ عَبْـــدِ شَمْسٍ
| |||
مُـقْـــفِـــــــــــرَاتٌ فَبَـــــلْـــــدَحٌ فَـــــــحِـــــــــــــرَاءُ
| |||
فإن عبد شمس في هذين البيتين يُراد به عبد شمس بن عبد وُدّ بن نصر بن مالك كما جاء عند الزبير بن بكار () وأبي عبيد البكري في معجم ما استعجم () وليس المراد عبد شمس بن عبد مناف جد الخلفاء الأمويين ، وإلى جانب هذين المسميين بعبد شمس ، يوجد آخرون ممن تسموا بهذا الاسم في كتب الأنساب مثل : عبد شمس بن الحارث بن عبد المطلب ، عبد شمس بن الحارث بن كثير ، وعبد شمس بن القدار ، عبد شمس بن معاوية بن عامر ، عبد شمس بن المغيرة ، عبد شمس بن نبت بن أدد () ورغم وجود هؤلاء الأعلام إلا أننا لم نعثر على أي ظرف زمني ، أو موقف أو حادث تاريخي بارز يؤكد أن المراد من عبد شمس في أبيات عبيد الله بن قيس الرقيات هو عبد شمس بن عبد وُد هذا الذي ذكره الزبير بن بكار وأبو عبيد 0
ويقول جرير في مدح هشام بن عبد الملك () :
نَمَاكَ الْحَارِثَانِ وَعَبْدِ شَمْسٍ
| ||
إِلَى الْعُلْيَــــا فَــعِــزُّكَ لَــــنْ يُــرَامَـــــــا
| ||
يستدعي الحارثان هنا الحارث بن عبد شمس وهو صحابي من أهل الشام ، وفد على النبي صلى الله عليه وسلم وأسلم ، وأخذ أمانًا لأصحابه على أموالهم وأهليهم ودمائهم () وأما عبد شمس ، فلعله الجد الأعلى للأمويين وذلك على ما مر ، والعلمان هنا يستدعيان الفخر والشرف الذي وصل إليه الأمويون 0
وعلى هذا النحو من ذكر اسم العَلَم عبد شمس في سياق المدح وجدنا الشعراء الأمويين المادحين بني أمية يذكرون عبد شمس باعتباره الجد الأعلى لبني أمية ، وما كان فيه من السيادة والشرف والمجد الذي تجسد في كون أحفاده من بني أمية بن عبد شمس قد أصبحوا الملوك أو الخلفاء الذين تولوا راية الإسلام بعد الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم 0
2ـ 3 ـ سياق الفخر :
الفخر فن شعري أصيل من فنون الشعر العربي ، وهو يرتكز على " التغني بالفضائل والمُثُل العليا والتباهي بالسجايا النفسية ، والصفات القومية ، والزهو بالفعال الطيبة " () وغيرها من الخصال الداعية إلى الاعتزاز بها والزهو بإعلانها والتدليل بها على الغير ، ولا يختلف الفخر عن فن المدح اختلافًا كثيرًا إلا في ذوبان الذات الفردية ـ ذات الشاعر المفتخر ـ في الذات الجمعية الدالة على القبيلة أو الجماعة التي ينتمي إليها الممدوح ، أو كان الشاعر نفسه إذا افتخر بقومه أو بنفسه ، ومن ثمة كان الفخر أو الافتخار ـ كما يقول بن رشيق القيرواني : " هو المدح نفسه ، إلا أن الشاعر يخصُّ به نفسه وقومه ، وكل ما حسن في المدح حسُن في الافتخار ، وكل ما قبح فيه قبح في الافتخار " () وبذلك يكون الفخر نوعين أحدهما فخر ذاتي يُديره الشاعر حول ذاته في أثَرة واضحة بالذات الفردية واعتداد بها اعتدادًا لا يُذمّ عليه ؛ لأنه " ليس من الناس أن يُطريَ نفسه ويمدحها في غير منافرة إلا أن يكون شاعرًا ؛ فإن ذلك جائز له في الشعر غير معيب عليه " () كقول الطرماح بن حكيم [ طويل ] () :
أَنَـــا الشَّمْسُ لَمَّــا أَنْ تَغَيَّبَ لَيْلُهَـــا
| ||
وَغَــــارَتْ فَمَا تَبْدُو لِعَيْنٍ نُجُومُهَــــــا
| ||
تَرَاهَــا عُيُـــونُ النَّـاظِـرِيـنَ إِذَا بَــدَتْ
| ||
قَرِيبًـــــا وَلاَ يَسْــــطِيعُهَـــــــا مَـــنْ يَرُومُهَـا
| ||
إذ يشبه نفسه بالشمس في صورة فنية بصرية يمكنها أن تستجمع كل الدلالات الفنية المرتبطة بالشمس : بهائها وجمالها وضيائها ، ثم كونها محط اهتمام إذ تراها عيون الناظرين جميعهم ، مع العزة والمنعة التي تبدو في انتفاء الاستطاعة لمن يرومها ، فهي قريبة في ضوئها ، وإن كانت بعيدة في كبد السماء ، بحيث يكون الوصول إليها مستحيلاً ، وكل تلك الدلالات مبنية على الفخر الذاتي الدال على نرجسية واضحة من الشاعر المُزْهى بنفسه 0ومن الفخر الذاتي قول الدارمي [ طويل ] () :
إِنْ أُدْعَ مِسْكِينًا فَلَسْتُ بِمُنْكِرٍ
| ||
وَهَلْ يُنْكِرَنَّ الشَّمْسَ ذَرَّ شُعَاعُهَا
| ||
لَعَمْــرُكَ مَــا الأَسْمَــاءُ إِلاَّ عَـلاَمَـــــةٌ
| ||
مَنَــــارٌ وَخَـــــيْرُ الْــمَـنَـــــارِ ارْتِـــفَـــاعُـهَــا
| ||
فالشاعر يبدو وأنه قد عُيِّر بهذا اللقب ـ مسكين ـ فقال مجموعة من الأبيات يؤكد فيها على اعتزازه بهذا اللقب () الذي عدَّه في هذين البيتين اسمًا ؛ لأنه غلب عليه ، ومن ثمة فإنه يفتخر به ولا ينكره ، ثم يؤكد هذا الفخر وعدم الإنكار بهذا الاستفهام التقريري بأنه لا يمكن لامرئٍ أن ينكر شعاع الشمس عند ظهوره ، وباستدعاء هذا الاستفهام التقريري ومن خلال البنية العميقة يشبه الشاعر نفسه بالشمس لا ينكر ضوءها أحد مثلما لا ينكر اسمه لا هو ولا غيره 0ومن الفخر الذاتي قول يزيد بن الطثرية [ طويل ] () :
إِذَا مَـــــا رَآنِي مُقْبِــلاً غَـــضَّ طَرْفَــــهُ
| ||
كَــــأَنَّ شُعَـــاعَ الشَّمْسِ دُونِي تُقَابِــــلُهْ
| ||
إن الصورة الفنية التي يقدمها الشاعر في بيته هذا تشير إلى أثرة ذاتية أو نرجسية تبرز في تشبيه النفس بشعاع الشمس الذي لا يستطيع الرائي مواجهته ، فيغض بصره ضعفًا عن تحمل ضياء الشمس ، ومن ثمة فالشاعر يفتخر بوضاءة وجهه التي يُغضي منها الآخر حياءً كأنما يغض طرفه من ضياء الشمس ، ونلحظ أن هذا البيت مما أورده النقاد القدامى في سياق الحديث عن أنواع السرقات الشعرية في باب ما يُسمى بالاقتطاف والتلفيق ، وكأن الشاعر يقتطع لفظة أو أكثر من بيت أو أبيات أخرى ليكوِّن بيته ، ومن ثمة " يكون البيت ملفقًا من أبيات قبله " () وليس من الممكن إغفال ما في لفظ اقتطاف والتلفيق من إشارة إلى السرقة المستدعية للذنب أو للحرام من منظور المعتقد الديني ، وإن كان الأمر غير ذلك في سياق الإبداع الشعري ، وأما الأبيات التي قيل إن بيت ابن الطثرية السابق ملفق منها ، فهي قول عنترة بن الأخرس الطائي [ وافر ] ( ) :
إِذَا أَبْصَرْتَنِي أَعْرَضْتَ عَنِّي
| ||
كَأَنَّ الشَّمْسَ مِنْ قِبَلِي تَدُورُ
| ||
وقول جرير [ وافر ] () :
فَغُضَّ الطَّرْفَ إِنَّكَ مِنْ نُمَيْرٍ
| ||
فَلاَ كَعْبًا بَلَغْتَ وَلاَ كِلاَبــــَا
| ||
وقول الطرماح [ طويل ] () :
إِذَا مَا رَآنِي قَطَّـعَ الطَّرْفَ بَيْنَهُ
| ||
وَبَيْنِيَ فِعْـــلَ الْعَــارِفِ الْمُتَجَاهِــلِ
| ||
ويبدو أن الشاعر يزيد ابن الطثرية في البيت الأول من هذه الأبيات الأربعة يتناصّ لفظًا ودلالة مع بيت عنترة ابن الأخرس ، وهو تناص لا تختلف دلالته المعاصرة كثيرًا عن دلالة الاقتطاف أو التلفيق ، أو غيرهما من المصطلحات الدالة على السرقة في مدونة النقد العربي القديم من مثل الأخذ والمعارضة والاختلاس والاستلاب والاهتدام والنسخ والسلخ والمسخ ، وغيرها من المصطلحات التي تستدعي المعصية الدينية ، وانتفاء الاختلاف مبني على أن التناص في الفكر النصي إنما " هو تعالق ـ الدخول في علاقة ـ نصوص مع نص حدث بكيفيات مختلفة " () وهي علاقة قد تكون باقتطاف كلمة أو أكثر من كلمات النص أو النصوص الأخرى ـ كأن الشمس ، غُضّ الطرف ، قطّع الطرف ، وقد يكون التناص هنا مع قوله تعالى :﴿ قُل لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ ﴾[النور 30] وهو تناص جزئي مرتبط بغض البصر دون الدلالة المرادة في سياق البيت من حيث الفخر الذاتي بالجمال والوضاءة التي لا تستطيع عين الآخر تحملها ، فتُغضي أو تغمض لانتفاء القدرة على المواجهة 0
وقد تكون تلك العلاقة باشتراكٍ في الدلالة على أساس أن " المعاني مطروحة في الطريق يعرفها العجمي والعربي والبدوي والقروي " () وقد تكون اشتراكًا في اللفظ والدلالة اشتراكًا لا ينفي الخصوصية التي يتمتع بها كلّ مُبدعٍ من المبدعين ؛ لأن التمايز بينهم إنما يكمن " إقامة الوزن وتخير اللفظ وسهولة المخرج وكثرة الماء ـ ما في اللفظ من رونق وجمال ـ وفي صحة الطبع وجودة السبك ، فإنما الشعر صناعة وضرب من النسج وجنس من التصوير " () وكل ذلك وجدناه في بيت يزيد بن الطثرية ، الذي يتناص فيه مع سابقيه تناصًّا يدل على " طبيعة الإبداع الشِّعري العربي منذ عصوره الأولى؛ حيث التفاعُل والتداخُل والتقاطُع والتعالُق بين إبداعات شاعر وشاعر آخر أو شُعراء آخرين " () وليس سرقة أو ما يدور في حقلها الدلالي من دوال لغوية ؛ لأنه ثمة اختلاف بين الشعراء الأربعة في الصياغة الفنية والبنية الدلالية ، وذلك مما يتمايز به الشعراء فيما بينهم 0
وقد كان الفرزدق من الشعراء العرب المعتدِّين بذواتهم اعتدادًا ربما وصل به إلى حد الغرور المرتبط بالمبالغة التي قد تكون محمودة في سياقات المنافرة التي برزت بصورة واضحة في شعر النقائض الأموي وكان الفرزدق أحد أعلامه الثلاثة الكبار : جرير والأخطل ، ولم يكن الأمر بغريب على المتلقي ؛ لأن " الفخر قد ملك عليه نفسه ، وبلغ منه الزهو والخيلاء كل مبلغ " () فأخذ يعتد بذاته في كِبرٍ وخيلاء وعُجب كبير بالنفس والقوة والمجد الذاتي الذي ربما رجع إلى قبيلة الفرزدق ، وأصولها العربية الضاربة في جذور العراقة والشرف ، أو ربما لاعتداده هو بنفسه ، فهو يقول [ بسيط ] () :
أَنَــا ابْــنُ خِنْــدِفَ وَالْحَـامِي حَقِيقَتَهَــا
| ||
قَــدْ جَـعَلُوا فِي يَـدَيَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَا
| ||
فهو يفتخر بنسبه إلى خِندِف التي يحمي رايتها ويحقق مجدها بمجده الذي يبرزه تصويره الشمس والقمر في يديه بالراية المملكة ، وهي راية دالة على قوة تملكه ، وعُلُوِّ قدْره وسُمُوِّ مكانته في قومه ، تلك المكانة التي ربما أصابته بشيء من كِبْر وغرور ، أو نرجسية تؤثر إبراز النفس حتى في سياقات الآخر ، فهو عندما يمدح الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز ، لا ينسى أن يفتخر بنفسه فيقول بعد المقدمة التي يتغزل فيها بجاريته أسماء [ طويل ] () :
وَمَجْدٌ أَذُودُ النَّاسَ أَنْ يَلْحَقُوا بِــهِ
| ||
وَمَــا أَحَـــدٌ أَوْ يَبْلُــغَ الشَّمْسَ نَـائِلُــهْ
| ||
إن الخطاب المدحي يعتمد ضمير الآخر ـ هو ـ أو ضمير الخطاب ـ أنت ـ بيد أننا في البيت السابق نجد ضمير الأنا هو المتصدر للبيت ؛ ليُعلن عن شخصيته المعتدة بنفسها ، حتى إنها لتؤخر ضمير الآخر للخليفة الممدوح ليكون الثاني وليس الأول في خطابه الشعري وتستدعي دالة الذود هنا أمرين في سياق الفخر ، أولهما القوة التي تجعله يبعد الناس عن أن يلحقوا بمجده ، وثانيهما دفعه المجد نحو العُلُو والسُّمُوِّ حيث الشمس التي إذا بلغها من يرومها ، فإنه لن يستطيع أن يلحق بمجده ، أو مجد الخليفة وكرمه وعطائه ـ نائله ـ البعيد من الوصول إليه بُعد السماء من الأرض ، ومن ثمة تظهر هذه الذاتية في مساواتها بين مجده وصفاته الذاتية ، وكرم الخليفة وعطاياه 0
ويقول أيضًا [ طويل ] () :
وَمَــا مِنْ مُصَلٍّ تَعْرِفُ الشَّمْسَ عَيْنُهُ
| ||
إِذَا طَـــــــلَــــعَــتْ أَوْ تَـــــائِــــهٍ غَــيْـــرِ عَـــاقِــلِ
| ||
فَتَسْـــــــــأَلَـــــهُ عَـــــنِّي فَيَعْيَـــــا بِــنــِسْبــَتِـــي
| ||
وَلاَ اسْمِي وَمَنْ يَعْيَا سِمَاكَ الأَعَازِلِ
| ||
حيث يفخر ذاتيًّا بشهرته ومعرفة الجميع به ، فهو كالشمس أو لعله في المثل العربي " أشهر من الشمس " () التي يعرفها كل الناس ويرونها رأي العين موقنين بحقيقتها ، وقد استدعى الفرزدق ها هنا جوًّا من الطهارة والقداسة الرادفة لكلمة مصلٍّ بالتنكير للعموم ، وكأن كل المصلين الذين يعرفون الشمس إنما يعرفونه هو ، ويعرفون نسبه واسمه المشهور المتألق تألقًا ولمعانًا كلمعان مجموعة النجوم المعروفة بسِماك الأعزل أو الأعازل ، وهي أشد النجوم تألُّقًا وسُطوعًا في كوكبة العذراء وهو في استدعائها والشمس من قبلها تأكيد على شهرته وذيوع صيته إلى جانب ما في الفخر الذاتي من العلو والشرف والرفعة المتساوقة وعُلُوِّ الشمس في كبد السماء 0
وتبدو هذه النرجسية الذاتية عند الفرزدق بصورة أكثر بروزًا عندما يدخل مع جرير بن عطية ـ غريمه الأول ـ في حلبة الهجاء والنقائض الشهيرة ، حتى إنه ليوظف كل وسائل الهجاء والإقذاع دون خجل من مثل قوله [ طويل ] () :
تَصَاغَرْتَ يَا ابْنَ الْكَلْبِ لَمَّا رَأَيْتَنِي
| ||
مَعَ الشَّمْسِ فِي صَـعْـبٍ عَــزِيـزٍ مَـعَـاقِـلُهْ
| ||
ففي صدر البيت نلمح هذا الهجاء المقذع المتخذ من السباب وسيلة التحقير المصدرة بالتصاغر ، وفي عجز البيت يربط بين التحقير والتصغير والفخر الذي يجعله قرين الشمس أو جليسها في دلالة على عُلُوِّ مجده وعزّته ومنعته التي لا يستطيعها جرير ولا قومه ، ويقول أبو جلدة اليشكري في رده على القعقاع بن سويد حين وَلِيَ سجستان [ طويل ] () :
لَــــعَمْــرِي لَـــــئِــــنْ أَوْعَــــــدْتَــــــنِــي مَـــــــا ذَعَرْتَنِي
| ||
فَدُونَكَ فَاغْضَبْ إِنْ غَضِبْتَ عَلَى الشَّمْسِ
| ||
ولا شك أن التهديد والوعيد إنْ صُبَّ على معتزٍّ بنفسه لقي المهدِّد من رد الفعل ما لا يتوقعه ، فالشاعر لا يُذعر ـ لا يخاف من وعيد القعقاع وغضبه ؛ لأنه إذا غضب على الشاعر فكأنما يغضب على الشمس إن استطاع عليها الغضب 0
وأما النوع الثاني من الفخر ، فهو الفخر الجمعي أو القبلي الذي يفخر فيه الشاعر بأجداده وأهله أو قبيلته وقومه فخرًا تختفي فيه الذات الشاعرة في الذات الجمعية ، ولا يبرز منه إلا صوت فخره الذي نراه في قول الفرزدق [ طويل ] () :
وَلَوْ تُنْكِحُ الشَّمْسُ النُّجُومَ بَنَاتِهَا
| ||
إِذًا لَــنَكَــحْــنَــــاهُــــــنَّ قَــبْـــلَ الْـــكَــوَاكِـبِ
| ||
وفي هذا الفخر القبلي إشارة إلى ما يبالغ فيه الشاعر من العظمة ورفعة الشأن الرابطة بالشرط بين أمومة الشمس المتخيلة ـ لو ـ وبناتها اللاتي لو فاضلت الشمس بينهم وبين النجوم لفضلتهم أزواجًا لبناتها ، وليس من الممكن عزو هذه الصورة المتخيلة إلى بقايا أو رواسب الفكر الميثولوجي الجاهلي الجاعل من الشمس ربة للأمومة والخصوبة والإنجاب ، وإنما تدخلت دالة الشرط الامتناعية لو لتجعل من الصورة مجرد تخييل مرتبط بالمبالغة في إظهار مجد قوم الشاعر وفخره به ، ويقول [ طويل ] () :
تَـــمَـــــنَّى جَـــــــــــرِيــــــــــرٌ دَارِمًــــــــــــا بِكُلَيْبِهِ
| ||
وَهَيْهَاتَ مِنْ شَمْسِ النَّهَارِ الْكَوَاكِبُ
| ||
وَلَيْـــــسَتْ كُـــلَـيْـــبٌ كَــائِـــنِــينَ كَــــــــدَارِمٍ
| ||
وَوَدَّ جَـــــــــــــرِيــــــــرٌ لَــــــــوْ عَـــــــطِـــــيَّةُ غَالِبُ
| ||
والبيتان في هجاء جرير ، والهجاء المرتبط بسلب الآخر كل المفاخر والمجد والشرف ، يستدعي النقيض وهو المدح إذا كان للآخر ، والفخر إذا كان للذات أو القبيلة ، والفرزدق هنا يدخل في مواجهة قبلية بين قبيلته بني دارم ، وقبيلة جرير التي يفخر بها وهي بني كليب ، ليجعل من الأولى شمس النهار ، ومن الثانية الكواكب المرتبطة بالليل ؛ ليمنح قومه كل الفضائل وكل الشرف والمجد ، وليسلب الثانية ـ بني كُليب ـ كل ذلك ، وإذا كان الفخر ها هنا قبليًّا ، فإنه يئول في التحليل الأخير إلى فخر ذاتي ، إذا وضعنا كلا من الفرزدق وجرير في طرفي الصراع ، فيكون في الأخير الفرزدق شمس النهار وجرير الكواكب الأقل قيمة وأثرًا من شمس النهار ، ويقول في مناقضة جرير [ وافر ] () :
بَنُو شَمْسِ النَّهَارِ وَكُلِّ بَدْرٍ
| ||
إِذَا انْجَابَتْ دُجُنَّتُهُ انْجِيَابَا
| ||
والفخر هنا وإن كان قبليًّا حيث يجعل الفرزدق أصوله بني تميم وبني دارم أبناءَ شمس النهار ، وأبناء كل بدر منير وضاءةً وعراقةً وشرفًا وعزةً ، فإنه ـ الفخر ـ يئول في التحليل الأخير إلى فخر ذاتي ، لأن ابن الشمس لابد أن يكون شمسًا ومن ثمة يفخر الفرزدق بانتمائه إلى هؤلاء الشموس الذين لا يستطيع جرير أن يحوز شرفهم 0وفي سياق الفخر القبلي في مهاجاة جرير يقول الفرزدق [ طويل ] () :
بِحَقِّ امْرِئٍ أَضْحَى أَبُوهُ ابْنَ دَارِمٍ
| ||
وَضَبَّةَ مِنْهَا الْمُنْجِبَاتُ الْكَرَائِمُ
| ||
تَكُـــونُ لَهُ شَمْسُ النَّهَـــارِ وَيَنْجَـــلِي
| ||
لَهُ الْبَدْرُ طَوْعًا وَالنُّجُومُ التَّوَائِمُ
| ||
مَكَــــــارِمُ مَـــــا كَــانَتْ كُلَيْبٌ تَنَالُهَــــــا
| ||
إِذَا قَـــــامَ مِنْهَــــا الْمُقْرِفُونَ الأَلاَئِمُ
| ||
عَطِيَّــــةُ تَـــرْجُـــو أَنْ تَكُــونَ كَغَـــالِــــــبٍ
| ||
سَـــــــوَاءٌ كُـــلَيْبٌ ، لاَ أَبَاكَ ، وَدَارِمُ
| ||
ولا شك أن ملكية شمس النهار للفرزدق الذي أبوه دارم ، وانجلاء البدر له فيه دلالة واضحة على الفخر بالعزة والقوة والمجد والشرف الذي لا يمكن لجرير ، ولا لبني كليب أن ينالوه 0 ويفتخر جرير ببني يربوع في قصيدته التي يناقض فيها رائية الفرزدق فيقول [ وافر ] () :
بِيَـــــرْبُـــــوعٍ فَـــــخَــــرْتُ وَآلِ سَـعْــدٍ
| ||
فَلاَ مَجْدِي بَلَغْتَ وَلاَ افْتِخَارِي
| ||
لِيَـــــــرْبُــــوعٍ فَــــــوَارِسُ كُــــــلَّ يَــــــــــوْمٍ
| ||
يُـــــــوَارِي شَــــــمْــسَهُ رَهَـــجُ الْغُبَــــارِ
| ||
والشمس هنا واقعية تستدعي وقت اشتداد المعركة حيث يواريها غبار المعركة المرتفع في جو السماء ليحجب الشمس عن المحاربين ، وعندها تظهر شجاعة فوارس يربوع بقوتهم وشجاعتهم التي لا يحول دونها هذا الغبار المرتفع ، ولا شك أن فخر الفرزدق القبلي أو الذاتي يختلف قوة وحدة عن فخر جرير الذي اتسم بشيء من الوقار والرزانة والموضوعية المحددة في موضوع الفخر وهو الفروسية والشجاعة ، وفي الصياغة التعبيرية التي ابتعدت عن سلاطة اللسان والسباب والإقذاع المرتبط بحدة الهجاء المحتدم بين هذين العلمين من أعلام الشعر العربي عامة والعصر الأموي خاصة 0
ويقول القطامي عن بسطام بن قيس وفوارسه [ طويل ] () :
أُولاَكَ الْــبَهَـالِيـلُ الأُلَى يُهْتَــــدَى بِهِــمْ
| ||
إِلَى الْيَـــــوْمِ فَارْحَــلْ عَـنْ مُقَـاوَلَـةٍ زُهْــــرِ
| ||
فَــــــــــوَارِسُ بُسْطَــــــامٍ عَــــــلَـيْــكَ لأِمِّـــــــــــهِ
| ||
بَنُـو الشَّمْسِ أَدَّتْ بِالسُّعُودِ مِنَ الْبَدْرِ
| ||
لقد وصفهم في صدر البيت الأول بالبهاليل أي السادة الأشراف الذين يُهتدَى بهم ، وما داموا هكذا فلا شك أن قوله : بنو الشمس في عجز البيت الثاني يدل على عزة وشرف وقوة شكيمة هؤلاء الفوارس المنتمين إلى هذا الفارس الجاهلي بسطام بن قيس بن مسعود المضروب به المثل في الفروسية فلم يكن أفرس منه في الجاهلية ولا الإسلام ـ كما رُويَ عن الجاحظ ـ وقد قيل عن هذا الفارس : " أفرس من بسطام بن قيس " () فقد كان وإخوته فوارس يُضرب بهم المثل في الفروسية سواء كانوا من ناحية أبيه ، أو من ناحية أمه 0
والفخر هنا مع ذكر اسم العلم بسطام وفوارسه بني الشمس يستدعي التناص التاريخي لما ارتبط بهذا الفارس من حروب بدت فيها قوته وفروسيته وانتصاراته وقومه بني شيبان وبني بكر على بني تميم مثل يوم نعف قشاوة الذي أغار فيه بسطام على بني يربوع التميميين وهزيمتهم ، وانتصاره على الأقرع بن حابس التميمي عندما أراد هو وأخوه الإغارة على بني بكر قوم بسطام ، ويوم مايض الذي انتصر فيه بسطام وأهله بنو شيبان على بني تميم () وغيرها من الأيام والحروب التي تؤكد على فروسية بسطام وجدارته بأن يُضرب به المثل في الفروسية ، ويُقرن إلى غيره من فوارس العرب الذين ضُربتْ في فروسيتهم الأمثال 0
ويقول معن بن أوس مفتخرًا بقومه المزنيين [ طويل ] () :
مُـــزَيْــنَـــــــةُ قَــــــوْمِـــــي إِنْ سَــــــأَلْـــتَ فَـــإِنَّــهُــــمْ
| ||
لَــهُـــمْ عِــــــــزَّةٌ لاَ تَــسْتَـــطِـيــــعُ لَـــــهَــــا نَــقْـــلاَ
| ||
وَلَوْ سِرْتَ حَتَّى مَطْلِعَ الشَّمْسِ لَمْ تَجِدْ
| ||
لِقَـــــوْمٍ عَــلَى قَوْمِي وَإِنْ كَــرُمُـــوا فَـضْــلاَ
| ||
إن التراوح والالتفات بين ضمائر التكلم : قومي ، والخطاب : سألتَ – سِرتَ لم تجدْ [ أنت ] والغياب : إنهم – لها – كرموا ، يستدعي نبرة الفخر العالية بقومه الذين ليس لأحد كائنٍ من كان شرفه وكرمه فضلاً عليهم ، وفي استدعاء مطلع الشمس دلالة على البعد الزمني واتساعه على الباحث عن فضل هو منفي لغير المزنيين عليهم 0 ويقول [ طويل ] () :
وَلَمْ يَغْنَ مِنْ حَيٍّ وَمِنْ حَيِّ خُلَّتِي
| ||
بِهَا مَنْ يُنَاصِي الشَّمْسَ عِزًّا وَسُؤْدُدَا
| ||
وانتفاء البقاء ـ لم يغنَ ـ لمن يباهي بعزه وشرفه حتى كأنما يصل بعزه وشرفه إلى السماء ، يستدعي كون قوم الشاعر هم الذين يفخرون ويعتزون بمناصاة عزهم وشرفهم وسؤددهم الشمس هذه المناصاة التي تشير إلى علو مجدهم وعزهم بحيث لا يستطيع أحد أن يجاريهم ، أو يسايرهم في ذلك 0
ويفخر ابن ميادة بقبيلة قيس عيلان ، فيقول [ طويل ] () :
فَلَوْ حَارَبَتْنَا الْجِنُّ لَمْ نَرْفَعِ الْقَنَـــــــــا
| ||
عَـــــنِ الْجــــِنِّ حَــــــــتَّى لاَ تَــــهِــرَّ كِــلاَبُــــهَـــــــا
| ||
وَلَوْ أَنَّ قَيْسًا قَيْسَ عَيْلاَنَ أَقْسَمَتْ
| ||
عَلَى الشَّمْسِ لَمْ يَطْلُعْ عَلَيْكَ حِجَابُهَا
| ||
تتبدى في هذين البيتين نبرة الفخر القبلي مصحوبة بنبل الفروسية حتى مع الحيوان ، ثم تعلو النبرة الفخرية عندما يصور قيس عيلان بالمتحكمة في الشمس ، إذا أقسمت عليها ألا تظهر ، فإنها ترضخ لرقبتها فلا تظهر 0
ويفخر مزاحم العقيلي بقوة قومه وكثرتهم فيقول [ طويل ] () :
وَلَمَّـــا امْتَطَيْنَــا صَعْبَهَــا وَذَلُولَهَــــا
| ||
إِلَى أَنْ حَجَبْنَا الشَّمْسَ دُونَ السُّرَادِقِ
| ||
تَقَتْنَـــــــا بِـفِــلْــــذٍ مِـــنْ سُــرَارَةِ قَلْبِهَـا
| ||
فَحُمْنَــــا عَــلَيْــــهِ بَـــــــيْنَ حَــابِــــسٍ وَذَائِــــــــقِ
| ||
فإنه يفتخر بقوة قومه وكثرتهم ، وتنوع خيلهم التي يركبونها ما بين الصعب الجموح والسهل الذلول ، وقد حجبوا الشمس من كثرتهم التي يباهي بها ، أو من كثرة الغبار الذي تثيره حوافر خيلهم الكثيرة 0
2 ـ 4 ــ سياق الرثاء :
الرثاء مدحٌ للميت بما كان فيه خصال الخير والحق والجمال والقوة وغيرها مما يُمدَح به الرجال ، ومن ثمة فالشاعر الراثي يغرد بغنائه خارج الحياة ، قد يُسمع نفسه ويحدّث قلبه إن كان المرثي قريب المكانة من قلبه ، وقد يُسمِع الغير إن كان المرثي من الشخصيات العامة التي ربما تركت في نفس الشاعر وغيره آثارًا طيبة يبكيه بسببها الجميع ، ومن بينهم الشاعر وحده من يستطيع التعبير عن الأثر من خلال شعره ، ومن أجل ذلك ربما كان الرثاء فنُّ العاطفة الصادقة الخالص ، ومن ثمة كان " من الموضوعات المحببة إلى النفس " () وهو فن مختلف بذلك الصدق عن المدح الذي كثيرًا ما تلازمه المنفعة الشخصية الماثلة في عطاءات الممدوح أو مكافآته للشعراء المادحين ، ومختلفًا كذلك عن الفخر الذي ربما ارتبط بالعصبية والواجب نحو الأهل والقبيلة ، ومختلفًا عن الغزل الذي يرتبط بالحياة ، أو أمنية الحياة ، فالفرق في العاطفة بين الرثاء والغزل فرق نوعِي وليس فرقًا في الكَيف 0
وإذا كان الرثاء مختلفًا عن غيره من فنون الشعر العربي من حيث العاطفة طبيعتها وكيفيتها ، فإنه لا يختلف من حيث البنية اللغوية أو الصور والتشبيهات والمعجم اللغوي والأساليب الفنية التي يتم توظيفها للتعبير عن صفات المرثي ، وقد كانت الشمس دالة من الدوال المعجمية السائرة في سياق حقل الرثاء مثلما كانت في السياقات الشعرية السابقة ، فقد يستدعيها الشعراء ليشبهوا بها فقيدهم ، وكأنه في سياق المدح ولكن مع استخدام الفعل الماضي ، من ذلك قول الفرزدق في رثاء أخيه [ طويل ] () :
أَبَى الصَّبْرُ أَنِّي لاَ أَرَى الْبَدْرَ طَالِعًا
| ||
وَلاَ الشَّـــــمْسَ إِلاَّ ذَكَّــــرَانِـــي بَــغَــــالِـــــبِ
| ||
شَبِيهَيْنِ كَــانَـا بِابْنِ لَيْلَى ، وَمَنْ يَكُنْ
| ||
شَبِيـهَ ابْـنِ لَيْـلَى يَمْـحُ ضَـوْءَ الْـكَوَاكِبِ
| ||
إن رؤية البدر والشمس من الديمومة بحيث يستدعيان ملازمة الشاعر في حله وترحاله وليله ونهاره ، هذا على الحقيقة والواقع ، ولأنه لا ينسى أخاه في حله وترحاله وليله ونهاره كان أخوه كالبدر والشمس لا يفارقه ، ومن ثمة فهو يشبه أخاه بالبدر والشمس حُسنًا ووضاءَةً وعزًّا ، فضلاً عن الملازمة الدالة على عِظمِ الفاجعة ، ويقول سراقة البارقي في رثاء محمد بن مخنف [ طويل ] () :
أَغَـــــرُّ كَـــــقَـــرْنِ الشَّـــــمْــــسِ أَرْوَعُ مَــــاجِدٌ
| ||
نَـــجِيبٌ عَــــنِ الأَعْـــــدَاءِ لَـيْسَ بِــنَــــاكِبِ
| ||
فهذا المرثي كان من الوضاءة والجمال بحيث يشبه قرن الشمس ، ولعل في قرن الشمس ما يدل على هذه الوضاءة ، إذ القرن يشير إلى أول ما يظهر من الشمس عند بزوغها في الصباح الباكر 0 ويقول الوليد بن يزيد في رثاء زوجته [ وافر ] () :
أَلَمَّا تَعْلَمَا سَلْمَى أَقَامَتْ
| ||
مُضَمَّنَةً مِنَ الصَّحْرَاءِ لَحْدَا
| ||
لَعَمْرُكَ يَا وَلِيدُ لَقَدْ أَجَنُّوا
| ||
بِهَا حَسَبًا وَمَكْرُمَةً وَمَجْدَا
| ||
وَوَجْهًا كَانَ يَقْصُرُ عَنْ مَدَاهُ
| ||
شُعَاعُ الشَّمْسِ أَهْلٌ أَنْ يُفَدَّى
| ||
فَلَمْ أَرَ مَيْتًا أَبْكَى لِعَيْنٍ
| ||
وَأَكْثَرَ جَازِعًا وَأَجَلَّ فَقْدَا
| ||
وَأَجْدَرَ أَنْ تَكُونَ لَدَيْهِ مِلْكًا
| ||
يُرِيكَ جَلاَلَةً وَيَسُرُّ وَجْدَا
| ||
وإذا كان شعاع الشمس يقصر عن هذا الوجه المفدّى ، فإن شعاعه وضياءه أشد وأجمل من شعاع الشمس ، ومن ثمة فإن المرأة تفوق الشمس ضياءً وجمالاً 0
وإذا كانت الشمس في الأبيات السابقة قد جاءتْ مشبَّهًا به للمرثي مستدعية دلالات الوضاءة والجمال والإشراق والعلو والرفعة ، فإنها في سياقات رثائية أخرى تتشخص في صورة امرأة شريفة تبكي على المرثي كقول الفرزدق [ طويل ] () :
لِتَبْكِ النِّسَاءُ السَّاعِيَاتُ إِذَا دَعَتْ
| ||
لَهَــــــا حَـــامِيـــًا يَــــوْمًـــــا ذَمَـــارَ الْمَحَـــــارِمِ
| ||
وَتَبْكِ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ الَّذِي
| ||
بِـــــهِ يَـــــدَعُ السَّـــــــارِيــــــنَ مِـيلَ الْعَمَــــائِـــمِ
| ||
وإذا كان الشاعر يستبكي النساء على المرثي ؛ لأنه كان حاميًا لذمارهن ، فإنه يستبكي عليه الشمس والقمر لأن السائرين الليل كانوا يأتنسون بأمنه وأمانه إياهم ، فلما مات ضرب النعاس رؤوسهم فكانت تميل على المطايا 0
ومع بكاء الشمس كمظهر من مظاهر الحزن على الفقيد نجد صورة أخرى من صور حزنها وهي صورة الكسوف التي تعني ظلامها وغياب ضوئها في قول جرير من رثاء أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه [ بسيط ] () :
تَنْعِي النُّعَـــاةَ أَمِـــــــيرَ الْـمُؤْمِنِيـــنَ لَــنَـــا
| ||
يَـــــا خَـيْرَ مَنْ حَجَّ بَيْتَ اللهِ وَاعْتَمَرَا
| ||
حَمَلْتَ أَمْرًا عَظِيمًا فَاصْطَبَرْتَ لَهُ
| ||
وَقُــــمْتَ فِيـــهِ بِــــأَمْـــــرِ اللهِ يَــــا عُــمَـــــرَا
| ||
فَالشَّمْسُ كَـــــاسِفَـــةٌ لَـــيْسَتْ بِطَــالِعَةٍ
| ||
تَبْكِي عَلَيكَ نُجُـــومَ الليْلِ وَالْقَمَــــــرَا
| ||
ولعلنا نستشعر أسف الشاعر وحزنه لموت أمير المؤمنين عندما يستدعيه ـ بأسلوب الالتفات من الغيبة : تنعي النعاة هم إلى الخطاب : يا خير ـ من الموت كأنما يخاطبه وجهًا لوجهٍ ، ويصفه بهذا الوصف التفضيلي : خير من حج البيت واعتمر ، ثم يستمر في استحضاره مخاطبًا إياه بأنه احتمل أمر الخلافة العظيم واصطبر له مؤديًا حقه بتوفيق الله وأمره ، ومن ثمة استحق أن يندبه بأسلوب الندبة في نهاية البيت الثاني : يا عمرا ، والأصل فيه يا عمراه ، ثم يجيء البيت الثالث ليمدد من أسلوب الخطاب ، فيجعل الشمس مظلمة كاسفة ، وكأنها ليست بطالعة حزنًا دائمًا : تبكي عليك نجوم الليل والقمر ، والمراد تبكي عليك طول الدهر ومن ثمة كان نصب نجوم ، والقمر على الظرفية الزمانية 0
وفي السياق نفسه ـ كسوف الشمس وإظلامها ؛ حزنًا لموت الفقيد ـ يقول الفرزدق في رثاء محمد بن موسى [ كامل ] () :
مَا كُنْتُ أَبْكِي الْهَالِكِينَ لِفَقْدِهِمْ
| ||
وَلَــــقَــدْ بَــكَــيْتُ وَعَــــزَّ مَــــــا أَبْــكَــــانِي
| ||
كَسَفَتْ لَهُ شَمْسُ النَّهَارِ فَأَصْبَحَتْ
| ||
شَـــمْـــسُ الـــنَّـهَــارِ كَـــأَنَّــهَـــا بِـــدُخَــــــانِ
| ||
ويبدو الفرزدق في صدر البيت الأول جامد القلب لا يبكي الموتى لفقدهم ، إلا أنه بكى وصعب عليه بكاء الفقيد الذي بكت له الشمس وأظلمت ، وكأنها احترقت وصارت غيومًا كأنها دخان 0ويقول عمرو بن أحمر [ كامل ] () :
وَتَـغَيّـَــرَ الْـــقَمَرُ الْـمُـنِيرُ لِـمَـوْتِـهِ
| ||
وَالشَّمْسُ قَدْ كَادَتْ عَلَيْهِ تَأْفُلُ
| ||
فقد بلغ من الحزن على موت الفقيد أن القمر قد تغير ضوؤه لموته ، وكادت الشمس تأفل ، وأفولها يشير إلى إظلامها حزنًا على الفقيد 0 ويقول زياد الأعجم في رثاء المغيرة بن المهلب [ كامل ] () :
يَا مَنْ بِمَغْدَى الشَّمْسِ أَوْ بِمَرَاحِهَا
| ||
أَوْ مَــــــنْ يَـــــكُــونُ بِـقَـرْنِـهَــا الْمُـتَـنَـــــازِحِ
| ||
قُــــــــلْ لِلْـقَــوَافِـــــــلِ وَالْــغُـــزَيِّ إِذَا غَـــــــــزَوْا
| ||
وَالْبَــــاكِـــرِيـــــنَ وَلِلْـــمُــجِـــــدِّ الــــــرَّائِـــــــــحِ
| ||
إِنَّ السَّــمَـــاحَـــــــةَ وَالْــــمُـــرُوءَةَ ضُــــمِّــنَـــــــا
| ||
قَبْـــــرًا بِمَـرْوَ عَلَى الطَّرِيــــقِ الْوَاضِـــــحِ
| ||
فالشمس هنا تتعدى كونها المشبه به أو الكاسفة الآفلة الباكية لموت الفقيد ، وإنما تجيء في بُعدها الزماني منذ طلوعها : مغدى ، وحتى غيابها : مراحها ، ومستدعية في الآن عينه البُعد المكاني الذي تغطيه في هذه الفترة الزمنية لتكون شاهدة على رسالة الشاعر الراثي إلى كل هؤلاء : القوافل وأهلها ، والغزاة المحاربين والباكرين والعائدين مجدين في عودتهم ، تلك الرسالة التي تقصر السماحة والمروءة على هذا الفقيد المُودَع قبره بمرو على الطريق الواضح 0
وإذا كان الشعراء قد استدعوا عبد شمس في المدح والفخر ، فإنهم كذلك استدعوه في الرثاء ، كقول السلولي في رثاء عمر بن يزيد [ خفيف ] () :
أَيُّهَــــــا الرَّاكِبَـــــانِ مِـــنْ عَبْدِ شَمْسٍ
| ||
بَلِّغَــــــا الشَّـــــامَ أَهْلَهَـــــا وَالْجُنُـــــودَا
| ||
أَنَّ خَيْرَ الْفِتْيـَانِ أَصْبَــــحَ فِي لَحْـــــ
| ||
ــــدٍ وَأَمْسَى مِـــــنَ الْــــــكِرَامِ فَـقِيـــدَا
| ||
وفي استدعاء عبد شمس في رثاء واحد من أبناء بني أمية ، إنما هو استدعاء لشرف الأصل ومجد الجدود؛ إذ إن عبد شمس هو الجد الأعلى لبني أمية جميعهم 0
2 ـ 5 ـ سياق الوصف :
يرتبط الوصف بنقل الصورة المرئية أمام الشاعر إلى صورة كلامية يستعيض بها المتلقي عن الرؤية العينية الآنية للمشهد الموصوف ، ومن ثمة كان " أحسن الوصف ما نعت به الشيء حتى يكاد يمثله عيانًا للسامع " () تمثيلاً قد تتبدى معه عاطفة الشاعر وأحاسيسه تجاه ما يصفه ، وقد لا تتبدى بحيث يكون الشاعر مجرد ناقل لما يراه ، وفي كل الأحوال يشير فن الوصف إلى الرابطة التي تربط الشاعر بالمتلقي ، وكلما كان المشهد الموصوف من الدقة والجمالية بحيث يستثير مشاعر المتلقي وعواطفه ، كانت الرابطة بينه وبين الشاعر قوية ، وكانت حيوية النص الشعري وثراؤه 0
وقد شمل فن الوصف كل ما تقع عليه عين الشاعر من مظاهر حسية مادية ، أو ما يحسه من عواطف معنوية مجردة ، وعلى ذلك فقد دخل الوصف كل فنون الشعر العربي " فالمدح وصف نُبل الرجل وفضله ، والنسيب وصف النساء والحنين إليهن والشوق إلى لقائهن ، والرثاء هو وصف محاسن الميت وتصوير آثاره وأياديه ، والهجاء وصف سوءات المهجوّ وتصوير نقائصه ومعايبه " () ومن ثمة لم يكن غريبًا ما قاله ابن رشيق القيرواني : إن " الشعر إلا أقله راجع إلى باب الوصف " () 0
2-5-1– وصف الشمس :
والشمس من بين ما وصف الشعراء الأمويون وافتنوا في تصويرها بصور فنية متنوعة فهذا ذو الرمة يعبر عن اقتراب مغيب الشمس بهذه الصورة البالغة الدلالة ، فيقول في وصف ما بين الحمار والأتن [ طويل ] () :
فَلَمَّـــا رَأَيْنَ اللَّيْلَ وَالشَّمْسُ حَيَّــةٌ
| ||
حَيَاةَ الَّذِي يَقْضِي حُشَاشَةَ نَازِعِ
| ||
نَحَـــــاهَــــا لِــــثَــــأْجٍ نَـحْــــوَةً ثُــــمَّ إِنَّــــــهُ
| ||
تَوَخَّى بِهَا الْعَيْنَيْنِ عَيْنَيْ مُتَالِعِ
| ||
حيث يشير إلى انحراف الحمار بالأتن انحرافًا نحو هذين المكانين : ثأج ومتالع وكان انحرافه في هذا الوقت من اليوم قد أشرفت فيه الشمس على الغروب فبدت ضعيفة رغم ما فيها من بقية ضوء كأنها إنسان ضعيف ما زالت الحياة تدبُّ في جسده ولكنه يُحتضر ، ثم صور هذه الصورة الاستعارية بصورة ذلك المريض المشرف على الموت فهو يقضي حشاشة ـ ما بقي من نفسه أو روحه ـ وينازع متألمًا ، وهي من الصور البديعة التي يبدو أنه لم يُسبق بمثلها 0
ويقول مزاحم العقيلي [ طويل ] () :
وَبِالأُفُقِ الْغُورِيِّ وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ
| ||
سَبَائِبُ مِنْ أُخْرَى النَّهَارِ قُتُومُ
| ||
فقد بدت في الأفق البعيد أمامه في آخر النهار خيوطًا مظلمة من آخر النهار رغم أن الشمس قد كانت ما تزال ظاهرة أو حية في الأفق 0 ويقول الفرزدق عن غيرة امرأته النوار من بنات الحارث بن عباد [طويل] () :
أَرَاهَا نُجُومَ اللَّيْلِ وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ
| ||
زِحَامُ بَنَاتِ الْحَارِثِ بْنِ عُبَـــــادِ
| ||
فإنها قد غارت من بنات الحارث بن عباد ، وقد جعلتها غيرتها ترى نجوم الليل رغم أن الشمس كانت ما تزال مشرقة ـ حية ـ ويصف شدة حرارة الشمس عندما ضل بهم هاديهم عن الطريق التي يريدون سلوكها [ طويل ] () :
أَنَخْنَـا بِهَجْرٍ بَعْدَمَا وَقَـدَ الْحَصَى
| ||
وَذَابَ لُعَابُ الشَّمْسِ فَوْقَ الْعَمَائِمِ
| ||
فلقد أناخوا مطيهم بهذا المكان بعدما اشتدت سخونة الحصى من حرارة الشمس التي أثر شعاعها على عمائهم وأثر في رؤوسهم ، ولعاب الشمس هو تلك الخيوط الرقيقة التي تظهر مع أشعة الشمس ، والمراد أن الشمس قد لفحت رؤوسهم فأناخوا مطيهم بهذا المكان هربًا من حرارتها التي أصابت كل شيء 0 وفي مثل هذا السياق يقول ذو الرمة [ طويل ] () :
نَزَلْنَا وَقَدْ غَارَ النَّهَارُ وَأَوْقَدَتْ
| ||
عَلَيْنَا حَصَى الْمَعْزَاءِ شَمْسٌ تَنَالُهَا
| ||
فَلَمَّا دَخَلْنَا جَوْفَ مَرْأَةَ غُلِّقَتْ
| ||
دَسَاكِرُ لَمْ تُرْفَعْ لِخَيْرٍ ظِلاَلُهَا
| ||
بَنَيْنَا عَلَيْنَا ظِلَّ أَبْرَادِ يَمْنَةٍ
| ||
عَلَى سَمْكِ أَسْيَافٍ قَدِيمٍ صِقَالُهَا
| ||
فَقُمْنَا فَرُحْنَا وَالدَّوَمِغُ تَلْتَظِي
| ||
عَلَى الْعِيسِ مِنْ شَمْسٍ بَطِيءٍ زَوَالُهَا
| ||
وَلَوْ عُرِّيَتْ أَصْلاَبُهَا عِنْدَ بَيْهَسٍ
| ||
عَلَى ذَاتِ غِسْلٍ لَمْ تُشَمَّسْ رِحَالُهَا
| ||
لقد انتصف النهار بهم ـ غار ـ واشتدت حرارة الشمس بحصى هذا المكان الحصوي ـ المعزاء ـ مما دفعهم إلى البحث عن مكان يختبئون فيه من حرارة الشمس ، فنزلوا هذه القرية ـ مرأة ـ ويبدو أن أملهم قد خاب ؛ إذ تنتمي هذه القرية إلى مجموعة من القرى ـ دساكر ـ اللئام أهلها ، إذ ليس هناك من يُظلهم ، فقاموا ببناء بعض الخيام من الأبراد ـ الأقمشة اليمنية ـ ، وكان سقفها من الرقة سَمْكه مثل السيوف الصقيلة وهو ما لم يُشعرهم بالظل ، فقاموا وكانت حرارة الشمس ما تزال شديدة لبطء زوالها ، وقد ظهرت شدة حرارتها على الحديدة التي توضع في مؤخر الرحل ـ الدوامغ ـ إذ كادت تتقد من شدة حرارة الشمس 0 ويقول ذو الرمة عن يوم بطيء [ بسيط ] () :
وَرَاكِـدِ الشَّـمْـسِ نَـصَـبْتُ لَهُ
| ||
حَوَاجِبَ الْقَوْمِ بِالْمَهْرِيَّةِ الْعُوجِ
| ||
إِذَا تَنَازَعَ جَالاَ مَجْهَلٍ قَذَفٍ
| ||
أَطْرَافَ مُطَّرِدٍ بِالْحَرِّ مَنْسُوجِ
| ||
فركود الشمس هو سكونها وثباتها إذا قام قائم الظهيرة كما جاء في لسان العرب لابن منظور ، وركودها وثباتها يستدعي بطء اليوم ، ومن ثمة طوله مع شدة حره التي جعلت الطريق يبدو وكأنه ماء من أثر السراب ـ منسوج ـ وقد استقبل الشاعر هذا اليوم بصفته تلك بهذه الإبل المنسوبة إلى مهرة بن حيدر اليمني ، وقد اعوجت من الضمور الذي أثر على حركتها ؛ إذ بدا وكأن جانبيْ الطريق ـ جالا ـ في هذا البلد المجهول يتنازعانه فيلقيه هذا الجانب إلى ذاك 0
ويصور أبو النجم العجلي الشمس عندما تميل إلى الغروب بصورة ربما كانت جديدة أو مبتدعة ، فيقول [ رجز ] () :
حَتَّى إِذَا الشَّمْسُ اجْتَلاَهَا الْمُجْتَلِي
|
بَــيْــنَ سِـمَاطَيْ شَفَـقٍ مُهَـوِّلِ
|
فَهْيَ عَـلَى الأُفْـقِ كَـعَينِ الأَحْوَلِ
|
صَغْــــــوَاءَ قَـدْ كَـدَتْ وَلَمَّا تَـفْــعَــلِ
|
والبدع في الصورة هو تشبيه الشمس عندما ينظر الناظر إليها ، وقد مالت أو كادت تميل نحو الغروب ـ صغواء ـ حيث ناحيتا الشفق ـ سماطي ـ قد تلونت بألوان مختلفة ما بين الحمرة والخضرة والصفرة ـ مهوِّل ـ بعين الأحول الذي يبدو سواد عينه مائلاً عن منتصف العين ، ولعل هذه الصورة الوصفية للشمس أن كانت نذير شؤم على الشاعر الذي قال أرجوزته تلك في حضرة هشام بن عبد الملك ، وقد كان به حول ، فظن أن الشاعر يعرض به " فأمر ـ هشام ـ به فحُجِبَ عنه مدة طويلة ، وقد كان قبل ذلك من خاصته " () 0
2-5-2– أثر الشمس على الحيوان :
ارتبط الحيوان بالشمس في الشعر العربي بصورة واضحة دفعت البعض إلى اعتبار العلاقة بينهما ضاربةً في الجذور الميثولوجية ، عندما اعتبروا الشمس والقمر آلهة معبودة ولهما بدائل أرضية تمثلت في المرأة وبعض الحيوانات مثل المهاة والغزالة والبقر والثور الوحشي الذي عُدّ بديلاً أرضيًّا للقمر ومعبودًا " ففي حضارات عديدة ، وبعضها حضارات سحيقة في القِدَم ، كان الثور يُعبد ، ولعل السبب في ذلك أنه من أوائل الأجناس التي استخدمها الإنسان لكونه مصدرًا للطعام ، وحيوانًا لحمل الأثقال ، بالإضافة إلى ما تمثله قوته الهائلة وإخصابه من رموز تُجسد الألوهة " () ولذلك تواترت قصته في الشعر الجاهلي حيث وردت فيه " مجموعة كبيرة من الصور التي تُعنى بالثور وتفصل قصته " () خاصة في اللوحة الفنية التي يأتي فيها الثور مشبَّهًا به للناقة والصراع الدائر بينهما ودخول كلاب الصيد وغيرها في جزئيات هذه اللوحة التي تتواتر عند النابغة الذبياني () وزهير بن أبي سلمى () ولبيد بن ربيعة () وكذلك عند أوس بن حجر () الذي أراد تصوير سرعة الناقة وقوتها وصلابتها ، فجاء بالثور المأزوم نفسيًّا في صراعه مع كلاب الصيد والصياد ، وانتصاره عليها بصعوبة بالغة في صراع الحياة والموت ليمثل " معادلاً موضوعيًّا للناقة ، وكان كلاهما معادلاً موضوعيًّا للشاعر ذاته " () 0
وإذا كان التفسير الميثولوجي لقصة الثور في الشعر الجاهلي مما يناسب الطبيعة الفكرية والعقدية الوثنية للشعراء الجاهليين ، فهل يتناسب مثل هذا التفسير مع شعر ما بعد الإسلام ؟ لقد عرضنا لهذا التساؤل من قبل وأجبنا عليه بالنفي وذلك في الحديث عن سياق الغزل ؛ إذ بررنا نفينا لذلك بالتناقض بين الفكر الميثولوجي المؤلِّه للشمس والقمر ، وتفوق المرأة عليهما في الصور الشعرية التي رسمها الشعراء لها عندما شبهوها بالشمس تارة وبالقمر تارة أخرى ، والأمر لا يخرج عن مثل ذلك في صورة الثور ومجيئه في سياق الشمس ، يقول ذو الرمة [ طويل ] () :
وَخُودٍ إِذَا مَا الشَّاةُ لاَذَ مِنَ اللَّظَى
| ||
بِـعُبْـرِيَّــةٍ أَوْ ضَالَـةٍ لاَ يَرِيـــمهَا
| ||
يَلُوذُ حِذَارَ الشَّمْسِ فِيهَا وَيَتَّقِي
| ||
بِهَا الرِّيحَ إِذْ هَبَّتْ عَلَيْهِ سَمُومُهَا
| ||
فهذا الثور ـ الشاة ـ يلوذ من حرارة الشمس الملتهبة بهذين النبتين الشبيهين بشجر السدر ـ عبرية وضالة ـ فلا يتحول عنهما محتميًا بهما من حرارة الريح الملتهبة المرتبطة بحرارة الشمس ، وللمرء أن يتساءل : لو أن الثور إله أو بديل أرضي للقمر الإله الأب المعبود ، هل يختبئ من الشمس وحرارتها الحارقة بذلك النبت ؟ إن الأمر لا يعدو أن يكون صورة وصفية لأثر الشمس على الثور الذي يلوذ بغريزة طبيعية بالظل من حرارة الشمس 0
ويستعيد ذو الرمة ذاكرة الشعر الجاهلي ليقدم لوحة فنية قصصية للثور الوحشي المأزوم بحر الشمس ، إذ يتخذ منه الشاعر مشبَّهًا به لناقته المأزومة بكثرة السفر والترحال ، ومع ذلك فإنها " لا تُغيِّرُ وقد هزلتها المفاوزُ طولَ سيرها ، حتى احدودبت من الهزال " () وتتعدد أزمات الثور ، فلا تقف عند حد أثر الحر عليه الذي يحتمي منه بشجرة الأرطي التي اتخذ منها كناسًا له يستتر فيه ويراقب منه ما قد يعرض له من خطر تمثل في الصياد وكلابه الجائعة الزرقاء العيون ، وعندما يؤذن الليل بالانصرام وينطلق الثور من كناسه ، يقول ذو الرمة [ بسيط ] () :
حَتَّى إِذَا مَا جَلاَ عَنْ وَجْـهِهِ فَــلَــقٌ
| ||
هَـادِيهِ فِي أُخْرَيَاتِ اللَّيْـــلِ مُنْتَصِبُ
| ||
أَغْبَـــــاشَ لَيْلٍ تِــمَامٍ كَانَ طَــارِقَهُ
| ||
تَطَخْطُخَ الْغَيْمِ حَتَّى مَا لَـهُ جُــــــوَبُ
| ||
غَـدَا كَــأَنَّ بِـهِ جِــنًّـا تَـــــذَاءَبُـــــهُ
| ||
مِـنْ كُـلِّ أَقْطَـــــارِهِ يَخْشَى وَيَرْتَقِبُ
| ||
حَتَّى إِذَا مَا لَهَا فِي الْجِذْرِ وَاتَّخَذَتْ
| ||
شَمْسُ النَّهَـارِ شُعَــاعًا بَيْنَهُ طِبـبُ
| ||
وَلاَحَ أَزْهَـــــــــرُ مَشْـــــهُــــورٌ بِـــــنُــــقْــــبَـــتِــهِ
| ||
كَــــــــأَنَّهُ حِـــــــينَ يَــــعْـــــلُو عَــــــاقِـــرًا لَهَبُ
| ||
هَــــاجَــتْ لَـــــهُ جُـــــوَّعٌ زُرْقٌ مُـــخَصّــــَرَةٌ
| ||
شَوَازِبٌ لاَحَــــهَـــا الـــــتَّغْرِيثُ وَالْــــجَنَبُ
| ||
لقد انجلى الليل وبدت تباشير الفجر تاركة بعض آثار ظلمة الليل ـ أغباش ـ هذا المناخ الزمني اتخذه الثور وقد سيطر عليه هاجس الخطر المحدق به وهو ما دفعه إلى أن يتذاءب فيكون مثل الذئب مبديًا العداوة على الآخر ، أو أنه عدا مثل الذئب وكأن به جنًّا أو مسًّا من جنون ، فأخذ يعبث بهذا النبت الرملي ـ الجذر ـ حتى بدت شمس النهار ، وهنا تتجلى الأزمة الحقيقية في صراع الحياة والموت ، إذ مثلت الشمس هنا الجاسوس أو النمام الذي ينمّ أو يفضح الثور ويزيد لونه الأبيض ـ أزهر ـ لمعانًا ويكشفه لهذه الكلاب الجائعة الزرق من شدة الجوع وضراوة العداوة وقد أضمرها الجوع ـ التغريث ـ فصارت تبحث عما يسد جوعها في هذا الثور 0
ويهمنا من هذه الصورة أثر الشمس على الثور إذ كان ضوؤها عاملاً رئيسًا في هذه المواجهة المحتمة التي كان يتجنبها في الليل بالاختباء في كناسه المحفوف بشجر الأرطي من المخاطر التي كانت تتعقبه كالمطر والبرد وكلاب الصيد الجائعة وصاحبها المتربص بالثور في صورة قد تكون مكرورة ، بيد أنها لم تعدم خصوصية التجربة وجمالية الأداء الفني الرابط بين ثبات الصورة وحركية الحدث مع شيء من الجدّة المرتبط ـ ربما ـ بالتفرد خاصة في " احتماء الثور بشجرة الأرطي من شدة الحر () وفي تذاؤب الثور والريح والجن ، مع العناية بوصف الثور وهو في كناسه ، أو وهو خارجه ليجمع بين الوصف المادي والنفسي ، ويقول الأخطل [ بسيط ] () :
حَتَّى إِذَا الشَّمْسُ وَافَتْهُ بِمَطْلَعِهَا
| ||
صَبـَّحَهُ ضَـامِـرٌ غَـرْثَـانُ قَـدْ نَـحَلاَ
| ||
طَاوٍ أَزَلُّ كَسِـرْحَـانِ الْفَــــلاَةِ إِذَا
| ||
لَمْ تُؤْنِـسِ الْوَحْشَ مِنْهُ نَبْأَةٌ خَتَـلاَ
| ||
فالشمس هنا كما كانت عند ذي الرمة تقوم بدور النمام الكاشف هذا الثور للصياد ، عندما تطلع عليه إذ تفجؤه ـ وافته ـ بهذا الصياد الذي بلغ منه الجوع مبلغه فبدا ناحلاً هزيلاً ضامر البطن طاويًا كذئب الفلاة يخدع الثور ويخيفه ويخدعه متخفّيًا عنه ـ يختله ـ حتى يصيده ، فالثور مأزوم بالصياد الجائع مهموم بالتخفي منه ، وأنى له ذلك وقد كشفه ضوء الشمس ؟! 0
ويقدم أبو النجم العجلي هذه اللوحة التي يتقاسم الثور والصياد وكلابه جزئياتها مع دخول الشمس فيها بصورة فنية جديدة فيقول [ رجز ] () :
وَذَابَ لِلشّـمْـسِ لُــعـَـابٌ فَـنَــزَلْ
|
وَقَامَ مِـيـزَانُ الـزَّمَانِ فَـاعْــتَدَلْ
|
لَـمَّا تَـوَلّـى مُـدْبِــرًا وَقَــدْ دَخَـــلْ
|
صَبَّ عَـــلَـيْـهِ قَـانِــصٌ لَمَّا غَـفَـلْ
|
وَالشَّمْسُ كَالْمِرْآةِ فِي كَفِّ الأَشَلْ
|
تَجْرِي عَلَى السَّمَــــاءِ مِـــنْ غَيْرِ فَشَلْ
|
بِحَيْثُ تَسْتَـنُّ مَـعَ الْـجِـنِّ الْــغُـوَلْ
|
إن الزمن عنصر أساسي في هذه اللوحة التي تبدأ بتصوير الشمس في شدة حرها وركود الهواء المخفف من حدته بصورة دابة يذوب لعابها وهو تلك الخيوط الشمسية المنحدرة من السماء عند اشتداد الحر في لحظة زمنية محددة اعتدل فيها ميزان الزمان حيث انتصاف النهار واشتداد لفح الشمس الذي يُلجئ ثور الوحش إلى الدخول في الأجمة محتميًا من شدة الحر ، وظل به حتى إذا ما شرعت الشمس تخفق مضطربة مائلة نحو الغروب كأنها مرآة يحملها رجل مشلول ، فهي مضطربة غير مستقرة ، وعندها يرسل الصياد ـ قانص ـ كلابه المسرعة إلى الثور الغافل في أجمته عن هذا الاعتداء الضاري من الكلاب 0
لقد بدا الثور فيما قدمنا من نماذج شعرية لشعراء أمويين مأزومًا بأزمات متعددة وكانت الشمس سببًا من بين الأسباب التي جعلته مأزومًا عندما تصيبه بأشعتها المحرقة فيحاول الاحتماء والاختباء منها ، وعندما تنم عنه وتكشفه لأعدائه : الصياد وكلابه وللمرء أن يتساءل : لقد عُدّ الثور بديلاً أرضيًّا للقمر عند الميثولوجيين الذين ارتفعوا بالثور إلى مصاف الآلهة المعبودة عند كثير من الأمم والشعوب وعند العرب الذين جعلوا الصورة الصنمية للقمر على شكل عجل له قرنان شبيهان بالهلال الذي هو صورة من صور القمر الأب المعبود ذي القوة والسطوة ؛ ولذلك اعتقدوا في قوة قرنيْ الثور الذي تخافه لأجل ذلك الجن ولا تنازعه موارد المياه ، فيشرب هو وقطيعه من البقر وبناءً على كل تلك المعتقدات والأساطير التي ألهت الشمس وجعلتها زوجة للقمر وجعلت الثور معبودًا ورمزًا أرضيًّا للقمر ، هل كانت الشمس عندما تتسبب فيما تعرض له الثور من أزمات في صراع ربوبي تريد أن تثبت فيه للقمر الأب المعبود وزوجها في الآن عينه مدى قوتها وسطوته حتى عليه هو ؟! أكان القمر الأب المعبود من الجُبْن والخوف بحيث يهرب من سطوة الشمس وحرارتها المحرقة ؟ أم أن التحليل الميثولوجي لمثل هذه الصور الشعرية إنما هو مجرد تأويل قائم على التخمين والتهويم النقدي الذي لا يمت إلى حقيقة الصورة ومراد الشعراء بشيء ؟ 0
إننا إذا سلمنا بحقيقة التحليل الميثولوجي للنصوص الشعرية الجاهلية ، فإننا لا يمكن أن ندَّعي جدية مثل هذا التأويل مع الشعر الإسلامي ، ورغم ذلك فإننا لا نستبعد الدلالات الرمزية والمجازية المرتبطة بالصورة التي ورد عليها الثور في الشعر الإسلامي ، دون أن نعود بها إلى التأويل الميثولوجي ؛ إذ الحقيقة التي لا ينكرها عاقل أن الشمس ذات تأثير على كل شيء في الوجود 0 ويقول الطرماح بن حكيم عن الثور [ متقارب ] () :
كَأَعْيَنَ ذَبِّ رِيَادِ الْعَشِيّْ
| ||
إِذَا وَرَّكَتْ شَمْسُهُ جَانِحَهْ
| ||
يَذِيلُ إِذَا نَسَمَ الأَبْرَدَانْ
| ||
وَيُخْدِرُ بِالصَّرَّةِ الصَّمِحَهْ
| ||
حيث يصف هذا الثور في وقت لا يتربص به صياد ولا تلاحقه الكلاب ، ومن ثمة يستغل هذه اللحظات التي تستمر في الغدو وعندما تميل الشمس للغروب ـ الأبردان ـ فيبرز نشاطه وسرعته وعدم استقراره إلا في الوقت الذي يشتد فيه الحر ـ الصَّرَّة ـ لأنه يؤلم رأسه ، ومن ثم فإنه يدخل كناسه ـ يُخدر ـ في ذلك الوقت 0
وتُظهر أشعار الأمويين تأثير الشمس على الحيوانات الأخرى ، من ذلك ما نراه من تأثيرها على الإبل ، إذ الشمس تزيد من معاناة الإبل ، وذلك ما نراه من قول ذي الرمة [ طويل ] () :
طَوَاهُنَّ قَوْلُ الرَّكْبِ:سِيرُوا إِذَا اكْتَسَى
| ||
مِـنَ اللـَّيْـلِ أَعْـلى كُـلِّ رَابِيَــةٍ خِـــدْرَا
| ||
وَتَهْجِـيـــرُنَا وَالْـمَرْوُ حَامٍ كَأَنّـمَـا
| ||
يَــطَأْنَ بِـهِ وَالشَّــمْــسُ بَـادِيَـةٌ جَـمْـرَا
| ||
فقد أضمر الإبل وأهزلها ـ طواهن ـ كثرة السير بالليل وكذلك بالنهار ـ تهجيرنا ـ خاصة وقت الهاجرة حيث تشتد حرارة الشمس فتلتهب الحجارة البيض ـ المرو ـ من شدة حرارة الشمس حتى كأنما تشبه الجمر من سخونتها ، فذلك مما أهزل النوق وأضمرها ، وهو أثر من آثار الشمس على الإبل 0
ومثل هذا التصوير نراه في قول الفرزدق من قصيدته التي يمدح بها هشام بن عبد الملك [ طويل ] () :
إِلَيْـكَ تَـعَـرَّقْـنَا الـذُّرَى بِـرِحَـالِـنَا
| ||
وَأَفْنَتْ مَــنَـاقِـيهَا بُـطُـــونُ الْمَنَاسِمِ
| ||
فَـأَصْبحْنَ كَالْهِنْـدِيِّ شَـقَّ جُــفُــونَـهُ
| ||
دَوَالِـقُ أَعْـنَاقِ السُّيــُوفِ الصَّـوَارِمِ
| ||
وَما تَرَكَ الصُّوَّانُ وَالْحَبْسُ وَالسُّرَى
| ||
لَهَـا مِنْ نعَالِ الْجِلْـدِ غَيْرَ الشَّرَاذِمِ
| ||
لَــهُـنَّ تَـثَـنٍّ فِي الأَزِمَّـــــــةِ وَالْـبُـرَى
| ||
إِذَا وَلَجَ الْـــيَـعْفـورُ حَامِي السَّمَائِمِ
| ||
تَرَى الْعِيسَ يَكْرَهْنَ الْحَصَى أَنْ يَطَأْنَهُ
| ||
إِذَا الْجَمْرُ مِنْ حَامٍ مِنَ الشَّمْسِ جَاحِمُ
| ||
فهو يتحدث من محبسه إلى هشام مخبرًا إياه بأنه قد أصابه الجهد والعرق عندما أراد اجتياز الجبال بما معه من المطايا التي عانت من جهد السير حتى ذابت المخاخ من أخفافها التي دميت وصارت كالسيف الهندي الذي شُقّ من غمده حين ضُربتْ به الأعناق وانهمرت الدماء ، وكانت المطايا تعدو مسرعة في أرسانها وتطأ تلك الحجارة الصلبة ـ الصُّوَّان ـ في حين هرب الغزال ـ اليعفور ـ إلى كناسه ؛ خوفًا من ريح السموم الحارة ، وقد كانت الإبل ـ العيس ـ تتجنب وطء الحصى ؛ لأنه كان حاميًا كالجمر من جحيم الشمس المحرقة ، وتلك صورة واقعية تحكي ردة الفعل الطبيعية للإبل وغيرها من الأحياء أمام حرارة الشمس وما تتركه من سخونة على الأرض وما عليها من الحصى والحجارة وغيرها 0
وإذا كان ذو الرمة والفرزدق قد وصفا الإبل بهذا الوصف السلبي أمام الشمس فإننا نرى الصورة مختلفة عند ناقة جرير في قوله [ بسيط ] () :
لَـــجَّـتْ أُمَـامَةُ فِي لَـوْمي وَمَـا عَــلِـــمَتْ
| ||
عَــرْضَ السَّـمَــاوَةِ رَوْحَاتِـي وَلاَ بُكَـرِي
| ||
وَلاَ تَـقَـعْـقُـعَ أَلْـحِـي الْـعِــيــسِ قَـــــارِبَـةً
| ||
بَـيْـنَ الْـمِـرَاجِ وَرَعْــنَيْ رِحْـلَــتَيْ بَــقَـرِ
| ||
مَـا هَــوَّمَ الْــقَـوْمُ مُـذْ شَدُّوا رِحَــالَهُمُ
| ||
إِلاَّ غـشَــاشًا لَـدَى أَعْـضَـادِهَا الْيُسُرِ
| ||
يَضْرَحْنَ ضَرْحًا حَصَى الْمَعْزَاءِ إِذْ وَقَدَتْ
| ||
شَمْــسُ النَّـهـارِ وَعَادَ الظِّــلُّ لِـلْقِـصَرِ
| ||
فهو يتخذ من لجاجة أمامة في لومه مدخلاً يكشف من خلاله عن بعض صفاته ، وهي كثرة الأسفار واحتمال مشقتها ، ومشقته على الإبل التي تصوّت عندما تتحرك ـ تقعقع ـ وقلة نومه وأصحابه وعجلته من أمره ـ غِشاشًا ـ وعندما يشتد الحر تنشط العيس ـ وهي التي يتحير بصرها من شدة الحر ـ غير متأثرة بشدة شمس النهار ؛ إذ تطرح الإبل بأخفافها الحصى رغم سخونته ، ولا تأنف السير في هذه الأرض الغليظة ذات الحصى : المعزاء ، وبذلك اختلفت ناقة جرير غير الآبهة بالحصى وسخونته عن ناقة ذي الرمة والفرزدق 0
وربما كانت ناقة أبي النجم العجلي قريبة الشبه من ناقة جرير ، وإن كانت مباينة لها من حيث وصف الشمس ، يقول أبو النجم [ رجز ] () :
فَـــهَـــبَطَـــــتْ وَالشَّـــــمْــسُ لَــــمْ تُــرَجَّــلِ
|
حَتَّى إِذَا الشَّـمْـسُ بَــدَتْ لِــلْــقُـيَّـــلِ
|
بِالنِّصْفِ مِنْ حَيْثُ غَدَتْ وَالْمَنْزِلِ
|
إِذَا اسْتَحَثـوهَا بِحَـوْبٍ أَوْ حَـــــــلِ
|
دَقَّــكَ بِــالْمـنْحَــازِ حَــبَّ الْـفُـلْـفُــلِ
|
جَاءَتْ تَسَــامَى فِي الرَّعِيــلِ الأَوَّلِ
|
وَالظِّلُّ عَـنْ أَخْفَافِهَا لَـمْ يَـفْـضُـــلِ
|
مَائِرَةَ الأَيْـدِي طِوَالَ الأَرْجُلِ
|
ومباينة الصورة هنا عنها عند جرير هو كون المناخ الزمني الشمسي قد جاء في الفترة التي لم تشتد فيها حرارة الشمس ؛ لأن ناقة أبي النجم بدأت السير في الصباح حيث لم ترتفع الشمس ، وامتد سيرها إلى الوقت التي ظهرت فيه الشمس للقُيَّل أي وقت القيلولة حيث انتصاف النهار ـ النصف ـ وهنا كانوا يستحثونها على السير بزجر البعير بكلمة حوب ، والناقة بكلمة حل ، وعند ذاك جاءت مرتفعة مشرفة في سيرها متقدمة قطيعها سهلة السير سريعة نشيطة ـ مائرة الأيدي طوال الأرجل ، ويقول عن مرح ناقته بالليل [ طويل ] () :
فَمَا عَرَفَتْ لِلذُّلِّ حَتَّى تَعَطَّفَتْ
| ||
بِقَرْنٍ بَدَا مِنْ دَارَةِ الشَّمْسِ خَارِجِ
| ||
فقد ظلت مرحة نشيطة طوال الليل ، ولم تعرف الكسل أو الذل المنافي لطبيعتها إلى في الصباح عند ظهور الشمس ، ويقول [ رجز ] () :
قَدْ وَرَدَتْ تَمْشِي عَلَى ظِلاَلِهَـا
|
وَالشَّمْسُ قَدْ ذَابَتْ عَلَى قِلاَلِهَا
|
كَالنَّارِ جـرَّتْ طَرْفَيْ حِبَالِهَــا
|
فِي بَـارِدٍ يَـبْرُدُ مِنْ غِلاَلِهَــا
|
يَرْمِي بِهِ الْجَرْعُ إِلَى أَعْصَالِهَا
|
كَخَبَبِ الْعَلْهَى إِلَى رِئَالِهَــــا
|
يَرْمِي بِخَوْصَاءَ إِلَى مَزَالِهَـــا
|
مُسْتَبْطِئًا لِلشَّمْسِ فِي إِقْبَالِهَــــــا
|
لَيْسَتْ كَعَيْنِ الشَّمْسِ فِي أَمْغَالِهَا
|
فلم يمنع الحر الشديد ـ ذابت على قلالها ـ وقت انتصاف النهار حيث انتعال النوق ظلالها من الورود إلى الماء والتجرع منه مسرعة كاشتعال النار أو كنزول الماء إلى أمعائها ، في مدة زمنية كانت النعامة ـ العلهى ـ تنظر إلى أولادها بعين يصيبها الضعف عند استقبال الشمس ، وهي على حالتها هذه من السرعة مستمرة دون كلل حتى مغيب الشمس 0
ومن أثر الشمس على الخيل قول ذي الرمة [ طويل ] () :
أَتَتْكَ الْمَهَارِي قَدْ بَرَى جَذْبُهَا السُّرَى
| ||
بِـنَا عَـنْ حـوَابِي دَأْيِـهَا الْـمُـتَـلاَحِكِ
| ||
بَـرَاهُنَّ تَفْـوِيـزِي إِذَا الآلُ أَرْقَـــــــلَتْ
| ||
بِهِ الـشَّمْـسُ أُزْرَ الحَزُورَاتِ الْــفَـــوَالِكِ
| ||
فقد برى أجساد تلك الخيول كثرة عدوها بالليل ، وكثرة سيره بها في الصحاري والمفازات ـ تفويزي ـ خاصة عندما تضطرب ـ أرقلت ـ الشمس بالسراب ـ الآل ـ فوق الأماكن الغليظة التي بها قِصر ـ الحزورات ، وكذلك الأماكن المستديرة وهي الفوالك في قول ذي الرمة السابق 0
ويقول قطري بن الفجاءة [ بسيط ] () :
يَا رُبَّ ظِلِّ عُقَابٍ وَقَيْتُ بِهَا
| ||
مُهْرِي مِنَ الشَّمْسِ وَالأَبْطَالُ تُجْتَلَدُ
| ||
فهو يفتخر بنفسه في قوته وشجاعته ورحمته بالحيوان حتى في أوقات الخطر واشتداد المعارك ـ الأبطال تجتلد ـ التي لا تمنعه من الرحمة بمهره عندما يقيه حر الشمس بظل رايته ـ ظل عقاب 0
وكذلك يمكن أن نرى أثر الشمس على المها أو البقر ، وذلك ما نلحظه في قول ذي الرمة [ وافر ] () :
وَفِي الأَظْعَانِ مِثْلُ مَهًا رُمَاحٍ
| ||
عَلَتْهُ الشَّمْسُ فَادَّرَعَ الظِّلاَلاَ
| ||
فالمها واحدته مهاة وهي البقرة تعلوها الشمس فتهرب منها إلى كناسها مختبئة بظلاله من حراة الشمس 0
ويقول الطرماح عن الظباء وموقفها من حرارة الشمس [ سريع ] () :
وَتَـنْمِي كُلَّمَا آنَــسَـتْ
|
نَبأَةً وَالْمُؤْنِسُ الرَّوْعَ نَامْ
|
حَذَرًا والسِّرْبُ أَكْنَافَهَـا
|
مُسْتَظِلٌّ فِي أُصُولِ السِّلاَمْ
|
تَـتّـقِي الـشّمْسَ بِـمَدْرِيَّـةٍ
|
كَالْحَمَالِيجِ بِأَيْـدِي التِّلاَمْ
|
فالظبية الخائفة ترفع رأسها ـ تنمي ـ مستطلعة مصدر هذا الصوت ـ نبأة ـ التي أصابها بالذعر شأنها شأن الخائف يرفع رأسه لينظر ما يخيفه ، ومعها سربها يحيط بها ـ أكنافها ـ ويتخذ من شجر السِّلام ظلاًّ يستظل به ولا يستكن فيه ، وهي إلى جانب استظلالها وسربها بهذا الشجر ، تتقي الشمس وتتجنبها بقرونها التي تشبه منافخ الصاغة ـ حماليج التِّلام ـ ولنا أن نتساءل في هذا السياق : هل تخاف المهاة والظبية من الشمس وتتأثران بحرارتها وهما البدائل الأرضية لها عند الميثولوجيين ؟!! إن الصورة هنا لاشك أنها لحيوانات طبيعية ، وليست لحيوانات مقدسة ، وإن كان التقديس بالمفهوم الشعري مرتبطًا بكثرة الذكر والدروران على ألسنة الشعراء 0
ومما ارتبط بالشمس من الحيوان الصحراوية الأخرى تلك الدويبة الصغيرة التي تُعرف بالحرباء ـ تُذكّر وتُؤنث في اللغة ـ وهو أشد ارتباطًا بالشمس ؛ ذلك لأن " حياته الحر " () وقد روى العسكري أن " الحرباء فارسية معربة وأصلها بالفارسية خورباء أيْ حافظ الشمس ، وخور اسم الشمس بالفارسية " () وربما تبدى هذا الارتباط بالشمس في صورة التلازم والاقتران ، فإن الحرباء " يدور مع الشمس ووجهه لها كيفما دارت حتى تغرب " () وقد قال عنه ذو الرمة [ طويل ] () :
يَظَلُّ بِهَا الْحِرْبَاءُ لِلشَّمْسِ مَاثِلاً
| ||
عَــــلَى الْــجِــذْلِ إِلاَّ أَنَّـهُ لاَ يُــكَـبِّرُ
| ||
إِذَا حَـوَّلَ الظِّلَّ الْــعَشِيُّ رَأَيْتَهُ
| ||
حَنِيفًـــــا وَفِي قَرْنِ الضُّحَى يَـتَـنَصَّرُ
| ||
غَدَا أَكْهَبَ الأعْلَى وَرَاحَ كَأَنَّـهُ
| ||
مِنَ الضِّحِّ وَاسْتِقْبَالِهِ الشَّمْسَ أَخْضَرُ
| ||
وهي لوحة فنية جامعة بين الصوت الذي يمكن التماسه في صوت المؤذن المنفي ـ لا يكبِّر ـ وصوت الناقوس الذي يستدعيه الفعل يتنصّر ، والحركة التي تبدو في المثول أو القيام للشمس كأنما يصلي من غير تكبير وتحول الظل واستقبال الشمس والانحراف نحوها كأنما يستقبل قبلة المشرق وهي قبلة النصارى ، واللون الذي نراه في صُفرة الشمس والضحى وسواد الظل والعشي الذي يستقبل الشمس معهما وكأنما يستقبل قبلة المسلمين ـ حنيفًا ـ ، وأكهب وهو الغُبرة إلى سواد ، ثم الدلالة الصريحة : أخضر التي تشير إلى تلون الحرباء في حركته مع الشمس عندما تحمى مستدعيًا ما قيل في المثل : " فُلانٌ يتلوَّنُ تلوُّنَ الحرباء " () ويقول فيه أيضًا : [ طويل ] () :
كَأَنَّ يَدَيْ حِرْبَائِهَـا مُتَشَمِّسًا
| ||
يَدَا مُجْرِمٍ يَسْتَغْفِرُ اللهَ تَائِبِ
| ||
ولا شك أن استدعاء الشاعر التوبة ولفظ الجلالة فيه إشارة إلى الأثر الإسلامي الواضح في شعر ذي الرمة ، وهو هنا يُصر على وصف التلازم والاقتران بين الحرباء والشمس ورفعه يديه باستمرار كالمجرم التائب الذي يرفع يديه مبتهلاً إلى الله تعالى بالدعاء 0
ويقول الأخطل [ بسيط ] () :
فَظَلَّ حِرْبَاؤُهَا لِلشَّمْسِ مُصْطَخِدًا
| ||
كَأَنَّهُ وَارِمُ الأَوْدَاجِ مـخْـتَـنِـقُ
| ||
فالحرباء مستقبل للشمس مصطلٍ بحرها ـ مصطخدًا ـ ويكاد يختنق من انتفاخ أوداجه وهي عروق العنق 0
ويقول جرير [ بسيط ] () :
تَخْدِي بِنَا الْعِيسُ وَالْحِرْبَاءُ مُنْتَصِبٌ
| ||
وَالشَّـمْـسُ وَالِجَةٌ ظِلَّ الْيَعَافِـيـرِ
| ||
حيث يشير إلى أن هذه العيس ـ النوق ـ تسير بهم في هذا الوقت من الظهيرة التي تدخل فيه الشمس كناس الظباء ، في حين ينتصب الحرباء ـ على أقدامه رافعًا رأسه إلى الشمس 0
ويقول النابغة الشيباني [ طويل ] () :
إِذَا الشَّمْسُ كَانَتْ قِـمَّ رَأْسٍ سَوِيَّةً
| ||
وَظَلَّتْ تُسَامِيهَا الْحَرَابِي الْخَوَاطِرُ
| ||
مشيرًا إلى موقف الحرابي ـ واحدتها حرباء ـ من الشمس ، فهي عندما تعلو الشمس مرتفعة فوق رأس الجبل ، ترفع رأسها نحوها وهي تخطر بذيلها 0
ويقول أبو النجم العجلي [ رجز ] () :
تَرَى الْحَرَابِيَّ بِهِ تَـضَرَّعُ
|
كَوَافِرًا لِلشَّـمْـسِ ثمَّ تَرْكَعُ
|
وَاكْتَنَّ مِنْ لَفْحِ الأُوَارِ الْوَعُوعُ
|
وهي الصورة نفسها التي تبدو فيها الحرابي وهي تستر جسدها من حر الشمس وكأنها إنسان يضرع إلى ربه ذليلاً خاضعًا يدعوه ويركع ، وهو ذلك الوقت الشديد الحر الذي يدخل فيه الذئب أو الثعلب إلى كنِّه ؛ هربًا من لفح الأوار والمراد شدة الحر ووهجه وقت الظهيرة 0
وعلى هذا النحو نجد أن الشمس قد كانت ذات تأثير على مختلف الحيوانات في البيئة العربية الأموية ، وقد عبر الشعراء الأمويون عن ذلك في أشعارهم تعبيرًا نزعوا فيه إلى التصوير الواقعي لحر الشمس وردة فعل الحيوانات المختلفة تجاهه 0
الخاتمة
|
في ضياء ما قدمنا من دراسة دارت حول : الشمس في الشعر الأموي يمكننا أن نقف على مجموعة النتائج التالية :
وظف الشعراء الأمويون دالة الشمس في السياقات الشعرية المختلفة من غزل ومدح وفخر ورثاء وهجاء ووصف ، وهي السياقات أو الأغراض الشعرية نفسها التي وظفها فيها الشعراء الجاهليون 0
في سياق الغزل جاءت دالة الشمس مشبَّهًا به للمرأة ، وكانت الصورة إما تشبيهية أو استعارية منتجة لدلالات الحُسن والجمال والوضاءة وبياض البشرة ، وهي الدلالات عينها التي استعملها فيها الشعراء الجاهليون ، وهذا الأمر يستدعي كون الشعر الأموي ـ رغم ما أصابه من تطوير وتجديد ـ حلقة جديدة من حلقات الشعر العربي ، حلقة تتماس مع الحلقة السابقة عليها ـ الشعر الجاهلي ـ وتنفصل عنها في الآن عينه فيما برزت معه خصوصيتها التي لا تفصلها عن السابق أو اللاحق 0
ولم ينزع الشعراء الأمويون إلى التوظيف الميثولوجي للشمس في أشعارهم الغزلية ولم ينحوا نحو التفسير الأسطوري الذي يذهب إلى تقديس المرأة باعتبارها معبودًا من المعبودات العربية القديمة ، وغير العربية ، فلم يستحضروا الأصول الميثولوجية للشمس بسبب غياب ترجمة التراث التاريخي أو الأسطوري للأمم الأخرى ، صحيح أن حركة الترجمة قد ظهرت في التاريخ العربي منذ العصر الأموي وخاصة عند خالد بن يزيد بن معاوية حكيم آل مروان ، فقد كان " أول من تُرجم له كتب الطب والنجوم وكتب الكيمياء " () وغيرها دون أن تترجم التراث الأدبي أو الفني ، ولعل ذلك بسبب الأصول الوثنية لهذا التراث الأجنبي ، ووثنيته منافية للعقيدة الإسلامية 0
ومن ثمة كان الابتعاد عن الجانب الأسطوري في تصوير المرأة العربية في سياق الغزل راجعًا إلى ما تركه الإسلام من آثار واضحة في تفكير العرب المسلمين وعقيدتهم ومن بينهم الشعراء الذين رأينا تأثير الإسلام في أشعارهم واضحًا ، وعلى ذلك لم تكن هناك نظرة شعرية لامرأة معبودة يقدسها ويعظمها الشعراء ، حتى الشعراء الذين قصروا إبداعهم على المرأة ، بل المرأة الوحيدة ، لم يصل الأمر بهم إلى مرحلة التقديس والعبادة التي ربما وجدنا لها ما يؤكدها في أشعار الجاهليين الذين قد نلتمس لهم العذر في غياب عقيدة التوحيد 0
وفي سياق المدح وجدنا الشعراء الأمويين يوظفون دالة الشمس مشبَّهًا به في مدائحهم للخلفاء والأمراء والقادة وغيرهم من الرجال ، وقد ارتبطت دلالات المدح عندهم بالمجد والشرف والرفعة وطهارة الأصل والبعد من الأدناس إلى جانب الوضاءة وجمال الوجه أو بياضه ، ورأينا بعضهم لا يقصر مدحه على الرجال ، وإنما وجدنا هذا البعض يمدح النساء على نحو ما رأينا من مدح عبيد الله بن قيس الرقيات للسيدة سكينة بنت الحسين 0
وقد أثرنا في سياق المدح قضية أنوثة الشمس عند الميثولوجيين ، وتوظيفها في سياق مدح الرجال في الشعر الأموي أو حتى في الشعر الجاهلي الذي وجدنا به نماذج كثيرة لتشبيه الرجال بالشمس في سياق المدح ، مثلما وُظف القمر والبدر كذلك في المدح ، وقد وظفه كذلك الشعراء الأمويون ، وانتهينا من قضية الأنوثة والذكورة إلى عدم ربط صورة الممدوح المشبه بالشمس بالتفسير الأسطوري الذي جعل من الشمس زوجة وأمًّا ومن القمر زوجًا لها وأبًا لابنها كوكب الزهرة ، وأن مجيء الشمس في الصورة المدحية للرجال إنما هو تقليد فني متوارث عن العصر الجاهلي 0
كما وظف الشعراء دالة الشمس في سياق الفخر ، وارتبطت دلالات توظيفها بالمجد والشرف والعزة والقوة والشجاعة والشهرة ، وهي دلالات لم يبتعد الشعراء الأمويون بها عما توارثوه من الشعر الجاهلي ، وليس الإرث دالاًّ على التقليد ؛ لأنه لم يمنع الخصوصية التي كان عليها الأمويون بعد ما وصلوا إليه من تطور عقلي وفكري وما أحدثه الإسلام من تأثير لا يمكن أن ينكره منكِر 0
وفي سياق الرثاء وجدنا الشعراء الأمويون يوظفون دالة الشمس كذلك في الدلالات نفسها التي كانت في سياق المدح حيث إنهم وظفوها لاستدعاء ما كان المرثيون يتمتعون به من الصفات حال حياتهم ، انطلاقًا من كون الرثاء مدح الميت بما كان فيه من الخصال الحميدة والصفات الكريمة ، فضلا عن استدعاء دلالات الوضاءة والحُسن والطهارة وهي دلالات معهودة في ذلك السياق 0
وأما سياق الوصف ، فقد رأينا الشعراء الأمويين يصفون الشمس بأوصاف واقعية خالصة ، وهي أوصاف قد تجيء في صور بلاغية حيث يغلب الخيال على الشعراء ، بيد أنهم كانوا ينظرون إليها من زاوية فنية خالصة تبرز تفوقهم وذائقتهم الشعرية ، كما أنهم قد عُنوا كذلك بوصف أثر الشمس على الحيوانات ، وتوقفنا عند وصفهم لأثرها على الإبل ، وعلى الثور ، وتطرقنا إلى المرجعية الميثولوجية للثور ، ونفينا أن يكون توظيف الثور في الشعر الأموي مرتبطًا بالخلفية الأسطورية له من حيث كونه البديل الأرضي للقمر المعبود عند أمم ما قبل الإسلام ، وكان تعليل نفينا مرتبطًا بالصورة المأزومة التي ظهر عليها الثور في الشعر الأموي 0
المصادر والمراجع
|
أولاً : القرآن الكريم
ثانيًا : المراجع القديمة :
ابن الأثير : أبو الحسن علي بن أبي الكرم
1ـ الكامل في التاريخ – تحقي أبي الفداء عبد الله القاضي – ط1/1987م – دار الكتب العلمية – بيروت 0
الأخطل : أبو مالك غياث بن غوث التعلبي
2ـ شعره صنعة السكري بروايته عن ابن حبيب – تحقيق د/ فخر الدين قباوة – ط4/1996م – دار الفكر – دمشق 0
الأسدي : الأقيشر – المغيرة بن عبد الله
3ـ ديوانه صنعة د/ محمد علي دقة – ط1/1997م – دار صادر – بيروت 0
الأسدي : بشر بن أبي خازم
4ـ ديوانه – شرح وتقديم مجيد طراد – ط1/1994م – دار الكتاب العربي – بيروت
الأسدي : عبد الله بن الزبير
5ـ شعره – جمع وتحقيق د/ يحيى الجبوري – دار الحرية – بغداد 1974م 0
الأسدي : الكميت بن زيد :
6ـ شعره – جمع وتقديم د/ داود سلوم – مكتبة الأندلس – بغداد 1969م 0
الأصفهاني : أبو الفرج علي بن الحسين
7ـ الأغاني – تحقيق د/ إبراهيم السعافين ، بكر عباس – ط3/2008م – دار صادر
الأعجم : زياد بن سلمى
8ـ شعره – جمع وتحقيق ودراسة د/ يوسف حسين بكار – ط1/1983م – دار المسيرة – بيروت 0
الأعشى : ميمون بن قيس
9ـ شرح ديوانه – تقديم وفهرسة د/ حنا نصر الحتي – ط2/1994م – دار الكتاب العربي – بيروت 0
الألوسي : السيد محمود شكري
10ـ بلوغ الأرب في معرفة أحوال العربي – عنيَ بشرحه وتصحيحه وضبطه محمود بهجة الأثري – دار الكتب العلمية – د0ت – بيروت 0
البارقي : سراقة بن مرداس بن أسماء
11ـ ديوانه – تحقيق وشرح د/ حسين نصار – ط1/2001م – مكتبة الثقافة الدينية – الظاهر – القاهرة
الباهلي : عمرو بن أحمر
12ـ شعره - جمع وتحقيق د/ حسين عطوان – مطبوعات مجمع اللغة العربية – دمشق 1970م 0
البغدادي : عبد القادر بن عمر :
13ـ خزانة الأدب ولُبِّ لُباب لسان العرب – تحقيق وشرح عبد السلام هارون – ط4/2000م – مكتبة الخانجي – القاهرة 0
البكري : أبو عبيد
14ـ معجم ما استعجم في أسماء البلاد والمواضع – تحقيق وضبط مصطفى السقا – عالم الكتب – بيروت
البيهقي : أحمد بن الحسين بن علي
15ـ دلائل النبوة – تعليق د/ عبد المعطي قلعجي – دار الكتب العلمية – بيروت 1985م 0
التبريزي : الخطيب أبو زكريا يحيى بن علي
16ـ شرح ديوان الحماسة لأبي تمام – كتب حواشيه غريد الشيخ ووضع فهارسه أحمد شمس الدين – ط1/2000م – دار الكتب العلمية – بيروت 0
17ـ الكافي في العروض والقوافي – تحقيق الحساني حسن عبد الله – ط3/1994م – مكتبة الخانجي – القاهرة 0
الترمذي : محمد بن عيسى بن سورة
18ـ سنن الترمذي – حكم على أحاديثه وآثاره وعلّق عليه الشيخ محمد ناصر الدين الألباني – ط1/1417ه – مكتبة المعارف – الرياض 0
التغلبي : عمرو بن كلثوم :
19ـ ديوانه – تحقيق د/ أيمن ميدان – ط1/1992م – كتاب النادي الثقافي الأدبي بجدة رقم 80 – المملكة العربية السعودية 0
التميمي : أوس بن حجر :
20ـ ديوانه – تحقيق وشرح د/ محمد يوسف نجم – ط3/1979م – دار صادر – بيروت 0
الثقفي : طُريح بن إسماعيل
21ـ شعره – دراسة وجمع وتحقيق د/ بدر أحمد ضيف – دار المعرفة الجامعية – الإسكندرية 1987م
الجاحظ : أبو عثمان عمرو بن بحر
22ـ الحيوان – تحقيق وشرح عبد السلام محمد هارون – ط2/1965م – مكتبة مصطفى البابي الحلبي – القاهرة 0
ابن حزم : أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد
23ـ جمهرة أنساب العرب – تحقيق وتعليق عبد السلام محمد هارون – ط5/1982م – دار المعارف – مصر 0
ابن جعفر : أبو الفرج قدامة
24ـ نقد الشعر – ضبط وشرح محمد عيسى منون – ط1/1934م – المطبعة المليجية
الحموي : شهاب الدين أبو عبد الله ياقوت بن عبد الله
25ـ معجم البلدان – دار صادر – بيروت 1977م 0
الحميري : السيد إسماعيل بن محمد
26ـ ديوانه جمع وتحقيق وشرح شاكر هادي شكر – المكتبة الحيدرية – النجف الأشرف – 1389ه 0
الحميري : يزيد بن مفرغ
27ـ ديوانه – جمع وتحقيق د/ عبد القدوس أبو صالح – ط2/1982م – مؤسسة الرسالة – بيروت 0
الخطفي : جرير بن عطية
28ـ ديوانه بشرح محمد بن حبيب – تحقيق د/ محمد نعمان أمين طه – ط3/1986م – دار المعارف – القاهرة 0
ابن الخطيم : أبو يزيد قيس بن عديّ
29ـ ديوانه – تحقيق د/ ناصر الدين الأسد – دار صادر – بيروت – د0ت 0
الدارمي : مسكين – ربيعة بن عامر بن أنيف
30ـ ديوانه – جمع وتحقيق عبد الله الجبوري وخليل إبراهيم العطية – مطبعة دار البصري – بغداد 1970م
ابن دريد : أبو بكر محمد بن الحسن :
31ـ جمهرة اللغة – تحقيق وتقديم د/ رمزي منير بعلبكي – ط1/ 1987م – دار العلم للملايين – بيروت 0
الدميري : أبو البقاء كمال الدين محمد بن عيسى
32ـ حياة الحيوان الكبرى – تحقيق إبراهيم صالح – ط1/20015م – دار البشائر – دمشق 0
ابن الدمينة : عبد الله بن عبيد
33ـ ديوانه صنعة ثعلب ومحمد بن حبيب – تحقيق أحمد راتب النفاخ – دار العروبة – القاهرة – 1959م
الذبياني : النابغة زياد بن معاوية
34ـ ديوانه – تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم – ط2/1985م – دار المعارف – القاهرة 0
ابن ذريح : قيس بن سنة بن حُذافة
35ـ ديوانه – عناية وشرح عبد الرحمن المصطاوي – ط2/2004م – دار المعرفة – بيروت 0
الرقيات : عُبيد الله بن قيس
36ـ شعره بين السياسة والغزل – تحقيق ودراسة د/ إبراهيم عبد الرحمن محمد – ط1/1996م- لونجمان – القاهرة 0
الزبيدي : السيد مرتضى الحسيني
37ـ تاج العروس من جواهر القاموس – تحقيق محمود محمد الطناحي – راجعه مصطفى حجازي و عبد الستار أحمد فراج – مطبعة حكومة الكويت 1976م 0
الزبيري : الزبير بن بكار القرشي
38ـ جمهرة نسب قريش وأخبارها – تحقيق وتقديم د/ عباس هاني الجراخ – ط1/2010م – دار الكتب العلمية – بيروت 0
الزبيري : أبو عبد الله المصعب بن عبد الله
39ـ نسب قريش – نشر وتصحيح وتعليق – ليفي بروفنسال – ط3/1982م – دار المعارف – القاهرة
الزمخشري : جار الله محمود بن عمر 0
40ـ المستقصى في أمثال العرب – ط1/ 1962م – مطبعة مجلس المعارف العثمانية – حيدر آباد – الهند
ابن أبي سلمى : زهير
41ـ شرح ديوانه – صنعة ثعلب – ط3/2003م- دار الكتب والوثائق القومية – نسخة مصورة عن طبعة دار الكتب سنة 1944م 0
السلولي : عبد الله بن همام
42ـ شعره – جمع وتحقيق ودراسة وليد السراقبي ط1/1996م – مركز جمعة الماجد – الإمارات العربية المتحدة 0
الشيباني : النابغة عبد الله بن المخارق بن سليم
43ـ ديوانه – ط1/1932م – دار الكتب المصرية – القاهرة 0
الصنوبري : أبو بكر أحمد بن محمد
44ـ شرح بائية ذي الرمة – تحقيق د/ محمد مصطفى حلاوي – ط1/1985م – مؤسسة الرسالة – بيروت 0
الطبري : أبو جعفر محمد بن جرير
45ـ صحيح تاريخ الطبري – تحقيق وإشراف محمد بن طاهر البرزنجي و محمد صبحي حسن حلاق – ط1/2007م- دار ابن كثير – دمشق 0
ابن الطثرية : يزيد بن سلمة بن سمرة
46ـ شعره – صنعة حاتم صالح الضامن - د0ت – مكتبة أسعد – بغداد 0
العامري : لبيد بن ربيعة
47ـ شرح ديوانه – تحقيق وتقديم د/ إحسان عباس – سلسلة التراث العربي رقم 8 – وزارة الإرشاد والأنباء – الكويت 1962م
العاملي : عدي بن الرقاع :
48ـ ديوانه تحقيق د/ نوري حمودي القيسي و د/ حاتم صالح الضامن – ط1/1987م – المجمع العلمي العراقي 0
العبسي : عنترة بن شداد :
49ـ ديوانه بشرح التبريزي – قدم له ووضع فهارسه مجيد طراد – ط1/1992م – دار الكتاب العربي – بيروت 0
أبو عبيدة : معمر بن المثنى التيمي :
50ـ نقائض جرير والفرزدق – وضع حواشيه خليل عمران المنصور – ط1/1998م – دار الكتب العلمية – بيروت 0
العجلي : أبو النجم الفضل بن قدامة
51ـ ديوانه – جمع وشرح وتحقيق د/ محمد أديب عبد الواحد جمران – مطبوعات مجمع اللغة العربية – دمشق 2006م 0
العرجي : عبد الله بن عمر بن عمرو
52ـ ديوانه جمع وتحقيق وشرح د/ سجيع جميل الجبيلي – ط1/1998م – دار صادر – بيروت 0
ابن عساكر : أبو القاسم علي بن الحسن
53ـ تاريخ مدينة دمشق – دراسة وتحقيق محب الدين أبي سعيد عمر بن غرامة – دار الفكر – بيروت 1995م 0
العسقلاني : أبو الفضل أحمد بن علي بن حجر
54ـ الإصابة في تمييز الصحابة – تحقيق د/ عبد الله بن عبد المحسن التركي – ط1/2008م – هجر للبحوث والدراسات العربية والإسلامية – مصر 0
55ـ فتح الباري بشرح صحيح البخاري – تصحيح وتحقيق عبد العزيز بن باز – ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي – المكتبة السلفية 1379ه 0
العسكري : أبو هلال الحسن بن عبد الله
56ـ جمهرة الأمثال – ضبط وتنسيق د/أحمد عبد السلام ، خرج أحاديثه أبو هاجر محمد سعيد – ط1/1988م – دار الكتب العلمية – بيروت 0
57ـ ديوان المعاني – تحقيق أحمد سليم غانم – ط1/2003م – دار الغرب الإسلامي – بيروت 0
ابن عطية : أبو محمد عبد الحق بن أبي بكر غالب بن عبد الرحمن
58ـ المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز – تحقيق عبد السلام عبد الشافي محمد – ط1/2001م – دار الكتب العلمية – بيروت 0
العقيلي : مزاحم بن الحارث
59ـ شعره – جمع وتحقيق د/ نوري حمودي القيسي وحاتم صالح الضامن – مجلة معهد المخطوطات العربية – مج22 – ج1 مايو 1976م 0
الغطفاني : المزرد بن ضرار :
60ـ ديوانه برواية ابن السكيت – تحقيق د/ خليل إبراهيم العطية – مطبعة أسعد – بغداد 1962م 0
ابن فارس : أحمد بن الحسين :
61ـ معجم مقاييس اللغة – تحقيق وضبط عبد السلام هارون – دار الفكر – دمشق – 1979م 0
ابن الفجاءة : قطري بن يزيد بن زياد المازني
62ـ شعره – ضمن كتاب شعر الخوارج – جمع وتقديم د/ إحسان عباس – ط2/1974م- دار الثقافة – بيروت
الفرّاء : أبو زكريا يحيى بن زياد
63ـ معاني القرآن – ط3/1983م - عالم الكتب – بيروت 0
الفرزدق : همام بن غالب بن صعصعة :
64ـ شرح ديوان الفرزدق – ضبط معانيه وشروحه وأكملها إيليا الحاوي – ط1/1983- دار الكتاب اللبناني – بيروت 0
ابن قتيبة : أبو محمد عبد الله بن عبد المجيد بن مسلم
65ـ الشعر والشعراء – تحقيق وشرح أحمد محمد شاكر – دار المعارف – القاهرة 1982م 0
القرشي : إبراهيم بن هرمة :
66ـ شعره – تحقيق محمد نفاع و حسين عطوان – مطبوعات مجمع اللغة العربية – دمشق 1969م 0
القرطبي : أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر
67ـ الجامع لأحكام القرآن – تحقيق د/ عبد الله بن عبد المحسن التركي – ط1/2006م – مؤسسة الرسالة 0
القزويني : زكريا بن محمد بن محمود
68ـ عجائب المخلوقات والحيوانات وغرائب الموجودات – ط1/ 2000م – منشورات مؤسسة الأعلمي – بيروت 0
القطامي : عُمَير بن شُييْم بن عمرو بن عباد :
69ـ ديوانه – تحقيق د/ إبراهيم السامرائي وأحمد مطلوب – ط1/ 1960م – دار الثقافة – بيروت 0
ابن قميئة : عمرو بن سعد بن مالك
70ـ ديوانه - تحقيق وشرح وتعليق حسن كامل الصيرفي – معهد المخطوطات العربية – القاهرة 1965م 0
القيرواني : أبو علي الحسن بن رشيق
71ـ العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده – تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد – ط5/1981م – دار الجيل – بيروت 0
ابن كثير : أبو الفداء عماد الدين بن إسماعيل
72ـ البداية والنهاية – تحقيق د/ عبد الله بن عبد المحسن التركي – ط1/1997م – دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان – الجيزة – مصر 0
كراع النمل : أبو الحسن علي بن الحسن الهنائي :
73ـ المنتخب من غريب كلام العرب – تحقيق د/ محمد بن أحمد العمري – ط1/ 1989م – مركز إحياء التراث الإسلامي – جامعة أم القرى – السعودية 0
ابن الكلبي : أبو المنذر هشام بن محمد بن السائب :
74ـ كتاب الأصنام – تحقيق أحمد زكي باشا – ط3/1995م – دار الكتب المصرية 0
الكندي : امرؤ القيس بن حُجر
75ـ ديوانه – تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم – ط5/ 1990م – دار المعارف – القاهرة 0
الليثي : عروة بن أذينة
76ـ شعره – جمع وتحقيق د/ يحيى الجبوري – ط2/ 1981م – دار القلم – الكويت
الليثي : المتوكل بن عبد الله بن نهشل :
77ـ شعره – تحقيق د/ يحيى الجبوري – د0ت – مكتبة الأندلس – بغداد 0
مجنون ليلى : قيس بن الملوح
78ـ ديوانه جمع وتحقيق وشرح عبد الستار أحمد فراج – مكتبة مصر بالفجالة – القاهرة 1979م 0
المخزومي : الحارث بن خالد :
79ـ شعره – تحقيق د/ يحيى الجبوري – ط1/1972م – مطبعة النعمان – النجف الأشرف 0
المخزومي : عمر بن أبي ربيعة
80ـ ديوانه بشرح محيي الدين عبد الحميد – ط1/1952م – المكتبة التجارية الكبرى – القاهرة 0
المخزومي : كُثَيِّر ـ عزة ـ بن عبد الرحمن بن أبي الأسود
81ـ ديوانه : تحقيق وشرح د/ إحسان عباس – دار الثقافة – بيروت 1971م 0
ابن مروان : الوليد بن يزيد بن عبد الملك
82ـ ديوانه - جمع وترتيب المستشرق الإيطالي ف 0 جيربالي – تقديم خليل مردم بك – مطبوعات المجمع العلمي العربي – دمشق 1937م 0
المزني : معن بن أوس
83ـ ديوانه صنعة د/ نوري حمودي القيسي وحاتم صالح الضامن – مطبعة دار الجاحظ – بغداد 1977م 0
ابن منظور : محمد بن مكرم
84ـ لسان العرب – تصحيح أمين محمد عبد الوهاب ومحمد الصادق العبيدي – دار إحياء التراث العربي – بيروت 0
ابن منقذ : أسامة بن مرشد بن علي
85ـ البديع في نقد الشعر – تحقيق د/أحمد أحمد بدوي ، د/ حامد عبد المجيد – مطبعة مصطفى البابي – القاهرة 1960م 0
ابن ميادة : الرماح بن أبرد
86ـ شعره جمع وتحقيق د/ حنا جميل حداد – مطبوعات مجمع اللغة العربية – دمشق 1982م 0
الميداني : أبو الفضل أحمد بن محمد بن أحمد
87ـ مجمع الأمثال – تحقيق وضبط محمد محي الدين عبد الحميد – مطبعة السنة المحمدية 1955م 0
ابن النديم : أبو الفرج محمد بن أبي يعقوب
88ـ الفهرست – ضبط وشرح وتعليق وتقديم د/ يوسف علي طويل – وضع فهارسه أحمد شمس الدين – ط1/1996م – دار الكتب العلمية – بيروت 0
النمري : أبو عبد الله الحسين بن علي النمري :
89ـ كتاب الملمع – تحقيق وجيهة أحمد السطل – مطبوعات مجمع اللغة العربية بدمشق – مطبعة زيد بن ثابت 1976م 0
النميري : جران العود عامر بن الحارث
90ـ ديوانه – صنعة محمد بن حبيب – تحقيق وتذييل د/ نوري حمودي القيسي – وزارة الثقافة والإعلام – دار الرشيد – بغداد 1982م 0
النميري : أبو حية الهيثم بن الربيع
91ـ شعره – جمع وتحقيق د/ يحيى الجبوري – منشورات وزارة الثقافة والإرشاد القومي – دمشق 1975م 0
النميري : الراعي عُبَيْد بن حُصَين
92ـ ديوانه شرح د/ واضح الصمد – ط1/1995م – دار الجيل – بيروت 0
النهشلي : الأسود بن يعفر
93ـ ديوانه – صنعة د/ نوري حمودي القيسي – وزارة الثقافة والإعلام – بغداد 1970م 0
النويري : شهاب الدين أحمد بن عبد الوهاب :
94ـ نهاية الأرب في فنون الأدب – تحقيق علي محمد هاشم ، عبد المجيد ترحيني – ط1/2004م – دار الكتب العلمية – بيروت 0
اليشكري : أبو جلدة بن عبيد بن منقذ
95ـ شعره – جمع وتحقيق د/ نوري حمودي القيسي – ضمن كتاب شعراء أمويون – ط1/ 1985م- عالم الكتب – بيروت 0
ثانيًا : المراجع الحديثة :
أحمد : عبد الفتاح محمد :
96ـ المنهج الأسطوري في تفسير الشعر الجاهلي – دراسة نقدية – ط1/1987م – دار المناهل – بيروت 0
أمين : د/ جودة :
97ـ أبعاد المنهج الأسطوري في تفسير الشعر العربي ط1/2006م – دار الهاني للطباعة والنشر 0
البطل : د/ علي عبد المعطي:
98ـ الصورة في الشعر العربي حتى آخر القرن الثاني الهجري – دراسة في أصولها وتطورها – ط2/1981م – دار حراء للنشر والتوزيع الجامعي – المنيا – مصر 0
تجور : د/ فاطمة
99ـ المرأة في الشعر الأموي – منشورات اتحاد الكتاب العرب – دمشق 1999م 0
التوني : د/ زكريا عبد المجيد
100ـ ثور الوحش بين النابغة وذي الرمة – ط1/2004م – إيتراك للنشر والتزيع – هليوبوليس – مصر الجديدة 0
الجارم : محمد نعمان :
101ـ أديان العرب في الجاهلية – ط1/1923م – مطبعة السعادة – مصر 0
حميدة : د/ عبد الحسيب طه
102ـ أدب الشيعة إلى نهاية القرن الثاني الهجري – ط2/ 1968م – مطبعة السعادة بمصر 0
الحوت : محمود سليم
103ـ في طريق الميثولوجيا عند العرب – بحث مسهب في المعتقدات والأساطير العربية قبل الإسلام – ط1/1955م- دار النهار 0
الحوفي : د/ أحمد محمد
104ـ الغزل في العصر الجاهلي – ط3/1973م – دار نهضة مصر بالفجالة – القاهرة
داود : الأب جرجس داود :
105ـ أديان العرب قبل الإسلام ووجهها الحضاري والاجتماعي ط3/2005م – المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع – بيروت 0
دغيم : د/ سميح :
106ـ أديان ومعتقدات العرب قبل الإسلام - ط1/1995م – دار الفكر اللبناني – بيروت 0
رضوان : د/ ياسر عبد الحسيب
107ـ التناص عند شعراء صنعة البديع العباسيين – ط1/2010م- مكتبة الآداب – القاهرة 0
رومية : د/ وهب أحمد :
108ـ شعرنا القديم والنقد الجديد – عالم المعرفة 207- المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب – مارس 1996م – الكويت 0
سند : كيلاني حسن
109ـ ذو الرمة شاعر الطبيعة والحب – الهيئة المصرية العامة للكتاب 1973م 0
الشورى : د/ مصطفى عبد الشافي :
110ـ الشعر الجاهلي : تفسير أسطوري – ط1/1996م – لونجمان – القاهرة 0
ضناوي : د/ سعدي
111ـ أثر الصحراء في الشعر الجاهلي – ط1/ 1993م – دار الفكر اللبناني – بيروت 0
ضيف : د/ شوقي
112ـ التطور والتجديد في الشعر الأموي – ط8/1987م- دار المعارف – القاهرة 0
عبد الرحمن : د/ نصرت:
113ـ الصورة الفنية في الشعر الجاهلي في ضوء النقد الحديث – مكتبة الأقصى – عَمَّان 1976م 0
عطوي : د/ رفيق خليل
114ـ صورة المرأة في شعر الغزل الأموي – ط1/1986م – دار العلم للملايين – بيروت 0
علي : إبراهيم محمد
115ـ اللون في الشعر العربي قبل الإسلام – قراءة ميثولوجية – ط1/ 2001م – جروس برس – لبنان 0
علي : د/ جواد :
116ـ المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام – جامعة بغداد – ط2/1993م 0
عمر : د/ أحمد مختار
117ـ اللغة واللون – ط2/1997م – عالم الكتب – القاهرة 0
عوض : د/إبراهيم :
118ـ المرايا المشوِّهة – دراسة حول الشعر العربي في ضوء الاتجاهات النقدية الجديدة – مكتبة زهراء الشرق 0
عوض : د/ ريتا
119ـ بنية القصيدة الجاهلية – الصورة الشعرية لدى امرئ القيس – ط1/1992م- دار الآداب – بيروت
الفحام : د/ شاكر
120ـ الفرزدق – ط1/1977م – دار الفكر – دمشق 0
محمد : د/ إبراهيم عبد الرحمن :
121ـ الشعر الجاهلي – قضاياه الفنية والموضوعية – ط2- مكتبة الشباب – القاهرة – د0ت 0
المطلبي : د/ عبد الجبار يوسف
122ـ مواقف في الأدب والنقد – دار الرشيد – منشورات وزارة الثقافة والإعلام – بغداد 1980م 0
مغنية : أحمد
123ـ تاريخ العرب القديم – ط1/1994م – دار الصفوة – بيروت 0
مفتاح : د/ محمد
124ـ تحليل الخطاب الشعري – استراتيجية التناص – ط3/1992م – المركز الثقافي العربي – الدار البيضاء
ناصف : د/ مصطفى :
125ـ قراءة ثانية لشعرنا القديم – ط2/1981م – دار الأندلس – بيروت 0
نصر : د/ عاطف جودة :
126ـ النص الشعري ومشكلات التفسير – ط1/1996م – لونجمان – القاهرة 0
هلال : د/ محمد غنيمي
127ـ الحياة العاطفية بين العذرية والصوفية – ط2/1976م – دار نهضة مصر – الفجالة – القاهرة 0
ثالثًا : المراجع المترجمة إلى العربية :
بارندر : جفري :
128ـ المعتقدات الدينية لدى الشعوب – ترجمة د/ إمام عبد الفتاح إمام – مراجعة د/ عبد الغفار مكاوي – عالم المعرفة 173- المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب – الكويت – مايو 1993م 0
ديورانت : وِل وايريل
129ـ قصة الحضارة – ترجمة محمد بدران – ط2/1992م – دار الجيل – بيروت 0
سكوت : ويلبرس :
130ـ خمسة مداخل إلى النقد الأدبي – ترجمة وتقديم وتعليق د/عناد غزوان إسماعيل وجعفر صادق الخليلي – دار الشئون الثقافية العامة – بغداد 1986م 0
فراي : هيرمان نور ثروب :
131ـ في النقد والأدب – الأدب والأسطورة – تقديم وترجمة د/ عبد الحميد إبراهيم شيحة – مكتبة النهضة العربية – القاهرة 1989م
نيلسون : ديتلف ورفاقه :
132ـ التاريخ العربي القديم – ترجمة د/ فؤاد حسنين علي ، مراجعة د/ زكي محمد حسن – مكتبة النهضة المصرية 1958م 0
رابعًا : الرسائل العلمية :
رضوان : ياسر عبد الحسيب
133ـ تيار الصنعة الشعرية – دراسة نصية مقارنة بين شعر الجاهليين والمخضرمين – دكتوراة – مخطوطة – كلية دار العلوم – جامعة القاهرة – 2007م 0
طه : طه غالب عبد الرحيم
134ـ صورة المرأة المثال ورموزها الدينية عند شعراء المعلقات – رسالة ما جستير مخطوطة – كلية اللغة الدراسات العليا – جامعة النجاح الوطنية – نابلس – فلسطين 2003م 0
العضيبي : عبد الله بن محمد
135ـ أثر الإسلام في موضوعات الشعر الأموي – ماجستير – كلية اللغة العربية - جامعة أم القرى 1985م
المعمار : سرى سليم عبد الشهيد
136ـ البناء الفني لشعر العرجي – ماجستير -كلية التربية قسم اللغة العربية - جامعة بابل 2002م 0
خامسًا : الدوريات :
137ـ مجلة فصول – المجلد الأول – العدد الثالث – إبريل 1981م – الهيئة المصرية العامة للكتاب 0
138ـ مجلة القادسية للعلوم الإنسانية – المجلد 15 – العدد2 – لسنة 2012م – جامعة القادسية - بغداد 0


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق