الاثنين، 14 مايو 2018

الفائز الثالث شعر-قصيدة نثرية الشاعرة مريم كعبي - ايران السيرة الذاتية لقصيدة مائية




الفائز الثالث
شعر-قصيدة نثرية
الشاعرة مريم كعبي ايران
السيرة الذاتية لقصيدة مائية


كلما جنحتْ شفتا أمي إلى خَدِّ الفجر
جفَّ في راحتيها الندى
كأن الوقتَ سحابةٌ جوفاء لا يستوطنُ في المطر،
الشمسُ سحبتْ ضوءَها إلى محاجرِه
كلما علقتْ أمي دموعَها على حبلِ الغسل
كأنه الجَلاَء يلدغُ الوقت،
كلما خرجتْ من المحراب
ترجرجتْ تحت قدميها الأرض
كأن أمي تطأ موقعَ جرحٍ أو لوعةَ غياب،
أينما إنكسر الضوء في الصحراء
هاج بها الظمأ إلى ظلٍ أنشق عن القافلة
إلى قنديلة تعد بها شهوري التسعة،
في تضاريسِ الكلام
كانت أمي تبحثُ عن وطنٍ تضعُ فيه حِملَها
لكن الأفواه كانت منذورةً لسيرة الزَرافَى
فضاق بها الفضاء
والأسئلةُ الشائكةُ ثقبتْ المحراب،
المجوسي الأخير اِغْرورقَتْ عيناه بِالدُّموع
واِبتَلَّت ناره لتحمي بطن أمي المتورمة
فلاذتْ بي إلى جذع النخلة
وجاءها وجعُ المخاض.
.....
توقًا إلى كَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ
كان يفوحُ عِطرهُ من سلالمِ الميلاد
على نهجِ تسبيحة الندى في الضباب
وتنهيدةِ التلال في سفوحِ القمم
وخريرِ المياه في ذاكرة الطريق
تعلقتُ بأسمكِ في ذلك النفقِ البهيم
وقتها لم اكنْ أعرف كيف أصوغُ الكلماتِ من الحروف
امتصتُ اسمكَ مِنْ دمِ أمي في مواعيد البكاء
وبادتْ الغضونُ في صوتِها
وفاحتْ يداها بعطرِ الزنبق الأبيض،
لكنها لم تلبثْ أن أرهفتْ سمعَها لحفيفِ الطريق
صوتٌ كان يكحُ في الجوار
أربكها في بيتِ القصيد
فنثرتْ على أجنحةِ الضباب بقيةَ كينونتي
لتقي كتفي من الصَّلِيب
وبيادقُ الملك كانت تجترُ الأوتاد قريبًا من موعدِ الطلع.
...
بمنديلٍ مُبتَلٍ اِتَّقى الريحَ
وتكوّر في ظلِ النَّوَاة
أخفتْ أمي صوتي الخديج
وأسندتْ رأسي اللين إلى صدرِها
هامسةً: اهدأي! ريثما اقطعُ الحبلَ السري
وتنبثقين من النفقِ المدلهم إلى فُسحةِ الكلمة وضوءِ المجاز،
ثم سكبتْ يقينَها القليل قطرةً قطرةً في دمي
وتفتَّحتْ في شراييني أولى الحروف،
وقلقها الكبير
امتلأتْ به حواسي الخمس
وتضرَّجتْ الطرقاتُ بظلالِ مواجعِها،
أسماءُ الغياب أنسلتْ من أصابعِها
لتلتئم في فمي باقةً من الحنين
مستبطنةً أسمك الذي طفق ضوؤه ينمو في المجراتِ البعيدة
وظلُه سبقني إلى الفراغاتِ التي قد تباغتني في المنعرجات
وعطرهُ روَّض الرياحَ التي قد تنفردُ بي في متاهاتِ الرحلة.
......
في المسافةِ الشاسعة
بين رفيفِ أسمك في المخاض
وطيفِك الذي كان يبحثُ عن حزنٍ يليقُ بسفري الطويل
نَمَوْتُ كعشبة عطشى تمتصُ دموعَ الأرض
فتصدَّعتْ الأحجارُ في كفي تلوِّح للرسائلِ الدفينة،
وظلي حصانٌ غير مروض
طفق يصهلُ في مدنِ الظمأ
ويعانقُ ظلالَ السُحبِ البعيدة
لتتدّرجَ الإنفلاتَ خُطاي
مقتطفةً الروئ المتهدلة من أغصانِ الدرج.
.......
امتصتُ كثيرًا من جرحِ الأرض
حتى وقفتُ على تخومِ العذوبةِ في جذورِ الظمأ
لم تكن الرؤيةُ واضحةً لتبللَ شفاهَ أمي
أو تغسلني من الملح
فإذا بهدهدة مخرتْ صمتي
"هد!...هد!...هد!....."
وعلى مقربة من خُطى الأنبياء
نبشتُ في ظِلّ رفيفِ طائر سليمان
ليلتقي بعدها عطشي بإنسياب رؤاك
وتفجَّرتْ زمزم ببيني وبين طيفك الموغل في البعيد
لأحطَ رحالي أطرافها لسنوات.
......
عطشٌ آخر تفتَّح في هامة ارتوائي الأول
وشم أسمك في تموُّجات البئر
فنادتني رُؤى يوسف من الأعماق:
انحدري!...انحدري!...
زمزم نافذةٌ على نهرٍ عذب يجري تحت أديمِ الأرض
فعجنتُ العنقاء من طينِ الحواف
وسرعان ما امتلأ جناحاها بعطرِ أسمك الخلاب
وطارتْ بي إلى جوفِ الماء،
في خِضَمّ النهر
في رحلة أفقية تجوبُ مصادرَ الوجع
تقاذفتني التيارات
وأَحَاقَت بي الأغثاء من كل صوبٍ وحدب،
ليلٌ هناك كان ينتحب:
اعطني ضوئي!..... نهارًا أنا كنت.. سرق عيوني البُوم...
وضفةٌ كانت تنوح:
أعطني موجي..... بحرًا أنا كنت ....دفن صوتي الطين...،
دمعتان شيّد محاجرهما عطرُك
أغرقتا النهر
وانفجرتْ الضفة ضحكًا :
النهرُ دمعةٌ من دموعِ البحر
البحرُ الكبيرُ الذي يتسلقُ أغصان المطر،
وجدائلُ الشمس سبحتْ في يمك
والنهاراتُ توجَّت الأمواج،
أكتافي غدت قاربين يمخران الحُلم
والأسماكُ ودَّعتْ بَيْضها في يدي
وغاصتْ إلى جذعِ الماء،
كنتُ اغرقُ في الرحلة على مهل...
أو الرحلةُ كانت تغوصُ فيّ على مهل..
حتى رفرف أسمُك في صدري
وعرج بروحي إلى هامة الغيث
حيث أمي نبتتْ شجرةَ مطرٍ
تخيّطُ نزعاتِ الكون.

ليست هناك تعليقات: